لكي لا يذهب العراق إلى الفوضى؟

01 ابريل 2026

عناصر من الحشد الشعبي في تشييع رفيق لهم في حي الصدر في بغداد (28/3/2026 فرانس برس)

+ الخط -

يبدو العراق راهناً، في ظل الحرب المشتعلة في المنطقة، محكوماً بجملة تقاطعاتٍ وتجاذباتٍ لا يفرضها موقعه الجغرافي فحسب، وإنما تتداخل فيها انحيازاته المعلومة إلى ايران التي تهيمن على قراره السياسي من خلال "وكلائها" النافذين في "الإطار التنسيقي" وفي البرلمان، وكذا عبر المليشيات الولائية. وضعه هذا كله على تماسّ بالحرب منذ يومها الأول، واقترن ذلك بانتهاج سياسات مواربة جعلته يصطف عمليا بجانب إيران رغم ادّعاءات حكومة محمد شياع السوداني التي تزعم مسكها العصا من الوسط. لكنها، على ما تظهره الوقائع اليومية، لم تستطع أن تواجه هيمنة ايران، وتغطي على هذا بإعلان حيادها بين طهران وواشنطن، وفي أمر تابع لم يعد في استطاعتها أن تحاسب ميليشيات ولائية تمسك في يدها بقرار الحرب والسلم بعيدا عن المؤسّسة العسكرية الرسمية، وتنفذ هجمات على مواقع عراقية وعربية، وبإشراف مباشر من "الحرس الثوري الإيراني" الذي اعترف في بلاغ أخير له بأنه "نفذ مع المقاومة العراقية 23 هجمة جهادية خلال 24 ساعة"، وتتكفل هذه الاشارة الصريحة بإسقاط الذريعة التي تدعيها المليشيات، ومن بعدها "الحشد الشعبي" من أنها تتصرف بقرار عراقي خالص ليس لإيران علاقة به، ويدعم هذه الوقائع ما نعرفه عن وجود عناصر قيادية من "الحرس الثوري" بصفة "مستشارين عسكريين" يديرون عمليات المليشيات، يقيم بعضهم في مدينة "جرف الصخر" في جنوب غرب بغداد التي هجر أهلها اثر عمليات "داعش"، ومنعوا من العودة اليها، ويقال إنها تضم معسكرا كاملا، فيما يدير "مستشارون" آخرون مصنعا لإنتاج الطائرات المسيرة في قلب بادية السماوة في جنوب البلاد.

كان هذا مشخّصاً من قبل، لكن تجاهله على امتداد السنوات العشرين السالفة كانت تحكمه حالة تقاسم النفوذ بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن تطور الأوضاع في المنطقة ونشوب الحرب فرض كسر المعادلة التي كانت قائمة، ودفع واشنطن أكثر إلى الضغط على بغداد للتخلي عن موالاة طهران، وهدد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مرّاتٍ بإنهاء كل نفوذ ايراني في العراق، والقضاء على المليشيات، ووضع السلاح في يد الدولة حصراً لكن حكومة بغداد ظلت تقدّم رِجلا وتؤخّر أخرى. وأخيراً، فرضت واشنطن صيغة تفاهم مع السوداني، لتحقيق ما تريده عبر خطوات تضمن مصالح الولايات المتحدة، وتنأى بحكومة بغداد عن موالاة طهران، ومع التلويح باستخدام القوة إذا ما دعت الضرورة، وقد شرعت بالفعل في توجيه ضربات مباشرة على مواقع تابعة لتلك المليشيات، كانت حصيلتها سقوط عشرات من أفرادها بين قتيل وجريح، وترافق هذا مع انكشاف حقيقة أن معظم هؤلاء كانوا من الشباب المتطوّعين للعمل الجهادي (؟)، ولم يكن من بينهم أحد من القادة الذين هجروا الأماكن التي اعتادوا الوجود فيها، وأقاموا في مواقع آمنة تاركين أتباعهم لملاقاة مصيرهم.

لم تستطع حكومة السوداني أن تواجه هيمنة ايران، وتغطي على هذا بإعلان حيادها بين طهران وواشنطن

لم يغير هذا كله من واقع الحال شيئا، حيث ظل ميلان العملية السياسية لصالح إيران، وتأكد عجز السوداني عن الحسم، وبقاء حكومته في المنطقة الرمادية التي لا يموت فيها الذئب، ولا تفنى الغنم. ووفقا لهذه الوقائع، سيكون الناتج المنطقي لها ذهاب العراق الى الفوضى عاجلا وليس آجلا، ولسنا نقول هذا وحدنا، إنما هو ما قاله معنا رئيس السلطة القضائية، فائق زيدان، في مقالته اللافتة "أن انفراد بعض الفصائل المسلحة بقرارات الحرب والسلم يشكل تهديداً خطيراً لسيادة الدولة واستقرار المجتمع ويؤدّي الى فوضى قانونية وأمنية، (..). و"يعد خطراً جسيماً على الدولة والمجتمع، لأنه يهدّد السيادة الوطنية، ويقوّض النظام القانوني"، ولا ينسى زيدان أن يطرح الحل، حيث "لا بد من حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور المؤسّسات الدستورية لضمان الأمن والاستقرار، وبناء دولة قوية تقوم على القانون والشرعية".

هكذا قال زيدان كلمته ومشى، وكأنه يروم من مقالته تلك أن يُخلي مسؤوليته عن هذا الخرق الدستوري الخطير. ولكن، يا ترى، من بإمكانه أن يعلق الجرس غيره، ولماذا لا يفتي بحل المليشيات، وبإنفاذ خطة عملية لحصر السلاح بيد الدولة، ويأمر باعتقال زعماء المليشيات ومحاسبتهم عما ارتكبوه من جرائم، وهي جرائم ثابتة ومعروفة؟ أم أن زيدان، حاله حال السوداني، يريد أن يتفادى غضب طهران التي باركت تنصيبه رئيسا للقضاء، وقد يكون له عذر آخر، ونحن نلوم.

... بالمختصر المفيد، ما نراه اليوم أن العراق قد يذهب، أو ربما قد ذهب بالفعل، الى فوضى لا حدود لها.

583FA63D-7FE6-4F72-ACDD-59AE85C682EB
عبد اللطيف السعدون

كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا، شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي" وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"