لبنان وسورية: زخم وأسئلة

04 يوليو 2026

مصافحة بين عون والشيباني في بيروت (2/7/2026/ وزارة الخارجية والمغتربين السورية في إكس)

تشهد العلاقات اللبنانية ـ السورية زخماً لم يكن موجوداً مسبقاً، أقلّه وفق التصريحات والإعلانات الصادرة عن المسؤولين الرسميين في دمشق، ومنهم أخيراً وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، خلال زيارته أول من أمس الخميس لبيروت. تبدو سياقات مستقبل العلاقة والاتفاقات المقرّرة والتعاون المطروح والمعالجات الهادئة لمختلف الملفات "أفضل من أن تصدّق"، على اعتبار أن ماضي البلدين، منذ استقلالهما في أربعينيات القرن الماضي عن فرنسا، لم يشهد علاقة بين دولتين مستقلتين، إلا فيما ندر. وترجم نظام الأسد العلاقة بين دمشق وبيروت، وفق قاعدتين أساسيتين: الأولى، رواج منظور عقائدي، ليس بالضرورة أن يكون سورياً حصراً بل يضمّ لبنانيين أيضاً، لا يعترف بلبنان مستقل، جبلاً كان أم بحدوده الحالية. والثانية، أن لبنانيين، سواء كانوا عقائديين أو من الانتهازيين، مسؤولين أو لا، ساهموا في ترسيخ مبدأ "سورية الأساس ولبنان تابع".

عدم انتماء أشخاص وأحزاب إلى الوطن اللبناني جزءٌ جوهريٌّ من سوء العلاقة مع سورية سابقاً، وحزب الله، ساهم في ذلك في السنوات الأخيرة، رغم أن أنصاره رفعوا شعار الـ10452 كيلومتراً مربعاً، خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، أي حدود لبنان الحالية، أقله وفق أول من وضع الشعار، الرئيس الراحل بشير الجميّل، في ثمانينيات القرن الماضي. والجميّل مكروه من بيئة الحزب بوصفه كان "متعاملاً مع إسرائيل" في حرب لبنان (1975 ـ 1990)، واغتيل في 1982 بعد انتخابه رئيساً على يد شخص مرتبط بالنظام السوري. مسألة وطنية الجميل أو عمالته بين الجماعات اللبنانية، أمر آخر لن تجد حلاً قاطعاً مع احتفاظ كل طرف برؤيته له. وفي العلاقة المستقبلية بين لبنان سورية، ليس عليها أن تكون بحسب أهواء النظام الحاكم في البلدين. لأن امتلاك لبنان حدوداً تتراوح بين 375 كيلومتراً و394 كيلومتراً (بانتظار ترسيمها براً وبحراً) مع سورية، لا يعني غير وضع نصوص واضحة في أي اتفاق بين البلدين، تقضي بعدم تغيّر العلاقات، في كل القطاعات والحدود، في كل لحظة يصل طرف ما إلى السلطة في بيروت أو دمشق. لا يُمكن للعلاقات بين البلدين أن تبقى أسيرة ماض غير واقعي ولا عملي، سواء باصطناع أوهام التاريخ أو بصياغة مخاوف الحاضر أو بوضع تصورات غير منطقية للمستقبل. قوة البلدين أنهما ليسا بلداً واحداً، فيما أي تكامل بينهما، مستند إلى قواعد وقوانين، أكثر غنى لهما.

القاعدة الأساسية للعلاقة بين دمشق وبيروت تنبثق من مفهوم واحد: "سهل البقاع". ذلك السهل طالما شكّل هاجساً أمنياً لإسرائيل وسورية، تحديداً خلال الحرب اللبنانية. تارّة تعتبره دمشق "خاصرة ضعيفة" يتسلّل منها الإسرائيليون، وتارة تعدّه تل أبيب "خطراً استراتيجياً لها" إذا كان بيد سورية. الحل واضح هنا: لبننة أمن لبنان، انطلاقاً من أمن مناطقه الحدودية، بقاعاً وجنوباً، يحمي استقلاله بشكل رئيسي، وأيضاً العلاقة مع السوريين. وبالنسبة إلى إسرائيل، أي اتفاق يؤمن عودة اللبنانيين إلى ديارهم الجنوبية ضمن حدود لبنان المعترف بها ويُنهي الحرب مع الاحتلال إلى الأبد، يبقى أفضل من ترك أبواب قتال مشرّعة إلى ما لا نهاية، من دون أفق وليس لأجل لبنان حتى وبكلفة باهظة دماً وحجراً.

في مكان ما، جزء مركزي من العلاقة مع السوريين يبدأ من لبنان، خصوصاً في تحصين قوة الدولة المركزية، ومعالجتها ملفاتها الداخلية جذرياً. صحيح أن قضية حصر السلاح مطروحة حالياً على الطاولة، ومن المفترض أن تصل إلى خواتيم تكرّس وجودية الدولة، وبالتالي لبنان كياناً، غير أن ملفات أخرى لا بدّ من معالجتها، مثل الإصلاحات الضرورية اقتصادياً واجتماعياً، محاربة الفساد، وهي أصعب معركة ممكن أن تنشب في تاريخ لبنان، بسبب تغلغل ذهنية الفساد في العقل الجماعي اللبناني. غير أنه لا بدّ منها، إذ لا يمكن الاعتقاد أن تجاهلها يعني نسيانها أو أنها ستصطلح بنفسها. الأهم أن استمرار نفوذ دول عدة في لبنان، يبقى أكبر خطر على الدولة والشعب، وهو خطر وجودي حقيقي. ومن الطبيعي هنا، أن محاولة بناء دولة صلبة تستحق أن تحصل. لا يُعقل أن سورية التي تبني نفسها بعد عقد ونيف من ثورة، والعراق الذي باشر في خطوات جدية لحصر السلاح ومحاربة الفساد، ينجحان في ذلك، فيما يبقى لبنان بحجة "مراعاة ومسايرة" أطراف محلية وإقليمية ودولية. الحسم مطلوب لحماية لبنان، شعباً ودولة، وصياغة عقد اجتماعي داخلي مفاده "لبنان أولاً"، لا أكثر ولا أقلّ.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في صحيفة "العربي الجديد".