لبنان في الرواية العراقية

18 يوليو 2026

يوحي الحراك العراقي في عهد حكومة علي الزيدي بأنّه يسارع إلى الهروب من سفينة إيرانية مثقوبة، سواء على صعيد ملفّ حصر سلاح الفصائل العراقية أو على صعيد تدشين معركة مكافحة الفساد. في الحالتَين، تظهر جدّية الزيدي في طيّ صفحة سالفة، رغم عدم وضوح ردّات فعل الفصائل ومن يمثّلها في "الإطار التنسيقي"، حليف طهران السياسي في بغداد، أو، في أقلّ تقدير، في انحنائهم أمام العاصفة. ولعلّ الزيدي يُدرك أنّ الاستعجال أمر ضروري، على قاعدة أنّ تحوّلات الأمم لا تتمّ بالتأنّي المبالغ فيه، بل بأقصى حدّ من التسارع الممسوك قدر الإمكان، كي لا يتحوّل إلى سقوط حرّ في لحظة مستقبلية. واعتماد الزيدي على الولايات المتحدة ليس بالأمر الجلل إذا ما قيس بالدور الإيراني في التماهي مع الأميركيين لإسقاط نظام صدّام حسين في عام 2003. ومن الجليّ أنّ الأميركيين الذين سلّموا أمر تفكيك النفوذ الإيراني في العراق إلى الزيدي بوصفه حليفاً مُعلَناً ورسمياً، وإلى التيّار الصدري بوصفه حليفاً مستتراً في سياق تقاطع المصالح، يبحثون عن تغيير بأدوات محلّية بإشراف خارجي، لا عن تغيير خارجي وإسقاط أدوات محلّية في مواقع السلطة.

حدث الأمر نفسه في سورية بعد إسقاط نظام الأسد، مع تركيز الأميركيين على إبعاد الإيرانيين من دمشق، في وقتٍ أدركت فيه القيادة السورية أنّ الاستناد إلى الأميركيين أمر لا بدّ منه. قد يُعدّ ذلك "واقعيةً سياسيةً"، لكنّها حقيقة موجودة. الزيدي ليس بعيداً من توجّه الرئيس السوري أحمد الشرع في العلاقة مع الأميركيين، مع العلم أنّ واشنطن قرّرت الخروج من البلدَين على اعتبار أنّهما باتا في عهدة حليفَين. وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإنّ لبنان مؤهّل أيضاً للانضمام إلى خطّ السير الجديد، بما يحوّله من بلد تتنازعه الأهواء المحلّية والإقليمية والدولية إلى بلد بمسار سياسي واحد، لا بألف مسار. وللمفارقة، فإنّ المسار السوري أيّام نظام الأسد (1976ـ 2005)، فرض خطاباً سياسياً واحداً، لا ألف خطاب. لذلك، فإنّ معارضة الأميركيين في لبنان، من دون بديل، يرشّح لبنان للانزلاق إلى مستنقعات لا تنتهي من الدماء. صحيحٌ أنّه في الأدبيات السياسية لا يُمكن الوثوق بدوام الحلف مع قوّة عظمى ما لم يكن هناك ما يُمكن تقديمه، لكن محدودية البدائل أمام لبنان تدفعه إلى سلوك طريق لم يكن ممكناً سلوكه منذ سنوات قليلة. هنا، لا بدّ للبنان من مواكبة متغيّرات سورية والعراق، والخروج من تناسخ الحروب على أرضه، ولأسباب ليست متعلّقةً لا بلبنان ولا بالقضية الفلسطينية. ولا يقتصر الأمر فقط على حصر السلاح وتوحيد القرار الرسمي، بل يطاول أيضاً ملفّات الفساد، لأنّها أشدّ خطورةً من السلاح. السلاح قد تجده وتصادره، لكنّ الفساد ليس مرئياً في الحالة اللبنانية، لأنّه ذهنية مترسخّة في لاوعي جماعي لبناني، والبدء بتطهيره حاجة ضرورية للسلطة اللبنانية قبل غيرها.

هل يُمكن فعلياً للبنان الاقتداء بالعراق؟ من الصعب الحكم على ذلك الآن، لكنّ الخطوات اللبنانية في فترة العام ونصف العام الماضية لم تكن لتحصل لولا المتغيّرات الإقليمية الكُبرى، ومنها إصرار أميركي على ضرب النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وهو عملياً ما منح انطلاقات لدمشق وبغداد، وقريباً صنعاء، فيما بيروت متمسّكة بأدبيات، لا مخاوف عفا عليها الزمن. ملفّ الفساد، تحديداً، لا يُمكن إطلاقه ما لم يُحدّد أبطاله، بدءاً من أمراء الحرب اللبنانيين وأعوانهم المعيّنون في مختلف مناصب الدولة، وصولاً إلى أصغر موظّف رسمي أو في القطاع الخاصّ. ومع أنّ لا قدرة للدولة اللبنانية على فعل ذلك بمفردها، فإنّه لا بدّ من الاستعانة بالأمم المتحدة أو بأيّ منظّمة أو تجمّع دولي، لأنّ العجز يستجرّ عجزاً، وعدم الاعتراف بالضعف فضيحة. ها هي بيروت الإدارية لا تزال تنتظر قرار تطبيق حصر السلاح فيها منذ أشهر، ولم يحصل شيء. الحاجة إلى "التطهير" أمر مفروغ منه في لبنان، لأنّه في كلّ مكان في أيّ هيكلية رسمية هناك أشخاص وظّفهم "فلان" لأنّهم أبناء منطقته الانتخابية. ولا يمكن وضع حدّ لهذا الوضع من دون حملة تطهير جدّية، ذلك لأنّه، كما أنّ هناك فاسدين، فإنّ الإصلاحيين كثيرون، وفي وسعهم حكم بلاد لا بلد واحد. وإن لم تتم المسارعة في لبنان، على خطى العراق، فعلى الأقلّ، يتوجّب الإقرار بضعفنا دولةً وعجزنا عن استنباط الحلول، والإقرار بضرورة الاستعانة بمعونة أممية.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في صحيفة "العربي الجديد".