لا تُصالح

08 ابريل 2026

(حامد العويضي)

+ الخط -

شاءت المصادفة أن ألتقي بامرأة كنت أتمنى أن ألتقي مثيلاتها ذات يوم، فقد كنت أحلم بأن ألتقي بشريكة حياة لكاتب أو شاعر مثلاً، لأنّني أريد أن أرى عن قرب الجانب الآخر من شخصيته من خلال ذوقه في اختيار النساء. فكثيراً ما كنت أذكر أنّ سقراط قد تزوّج وعاشر امرأة سليطة اللسان مثلاً، وربّما كانت سبباً من أسباب فلسفته الساخرة. وهكذا، وبمناسبة عرض فيلم وثائقي عن فلسطين في القاهرة، كنت أسمع اسم عبلة الرويني، أرملة الشاعر الراحل أمل دنقل، يتردّد في القاعة التي غصّت بالضيوف الفلسطينيين والمصريين الذين توافدوا ليشاهدوا فيلماً يحاول أن يسلّط الضوء على محاولة إيصال الصوت الفلسطيني للآخر، وخصوصاً إبّان الإبادة الجماعية التي حدثت على مدار عامَين ونيّف في غزّة، ولا تزال تحدث في صمت منظم متآمر حتى اللحظة.
حين اقتربت منها، ووضعت كفي في كفّها بكلّ حرارة، تردّدت في خلايا عقلي عبارة "لا تصالح". وحين تبادلت معها حديثاً قصيراً، أدركت ارتباط هذه المرأة بما عاش ومات عليه زوجها الراحل الذي قال لها: "أريد أن أرى نفسي فيك، وكأنّي وحيد في غرفة مغلقة". وقد عاش معها سنوات قليلة، ورغم أنّه كان فقيراً لا يملك إلا شِعره، إلا أنّها ظلّت وفية لمبادئه كلّها، ولولا ذلك لما كانت في المقدّمة بين الضيوف لكي تشاهد توثيقاً لجرائم العدو الصهيوني بحقّ الشعب الفلسطيني، ما بين الإبادة في قطاع غزّة، وإقامة جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، وممارسة التنكيل والاعتقال هناك، وكأنّها تؤكّد بحضورها الصرخة الوريثة التي أطلقها الراحل أمل دنقل ثم مضى.
مرّت أيام قليلة على لقائي هذا، وأنا أقرأ كلّ ما كُتب حول الشاعر الحزين، كما أُطلق عليه، وتحديداً حول قصيدته التي استلهمها من وصيّة "كليب" لأخيه "الزير سالم"، وكتبها بدمه: "سالم لا تصالح". وكتبتُ هذه العبارة في حساباتي كلّها في مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة أنّ بعضهم قد اعتبرها تحذيراً لثأر شخصي، ولكنّ الحقيقة أنني كنت أشعر بألم يتعاظم ووجع لا يوصف، وأنا أسترجع ما بين ماضٍ قريب ويوم كئيب ما آل إليه حالي وحال أهل غزّة. وقد استقرّ بي ترحال النزوح بعيداً عن رائحة الوطن، ولكنّني لا أزال أجد في قرارة نفسي هذا التحذير، وبأنّني لن أتصالح أبداً مع فكرة أنني سأنسى وأمضي، أو أنّني سأترك الصغار من حولي ينسون، وأنّني سأكتب ما حدث كلّه؛ لأنّ لا ثمن سيعوض ما فقدت وأهلي في غزّة، ولا ثمن ولا وعود قد يعيدان غزّة التي مُحيت عن وجه الأرض، وتحوّلت إلى كومة من حجارة، وأصبح من تبقّى من أهلها مرضى وجياعاً ومشرّدين.
خلال هذه الأيام التي أراها الأشدَّ وطأة على قلبي، طالعتني صورة رجل من غزّة فُقئت عيناه بسبب إصابته في الحرب، وقد وصل إلى مصر من أجل العلاج، ونشر صورته الطبيب المصري الذي روّعته إصابته، فكشف شراسة ووحشية ما حلّ به. فقد بدا وجهه مشوّهاً بلا عينين، وكأنّ العدو الذي أمعن في إبادة شعب غزّة قد قرّر أن يفقأ عيني الشاهد اتّباعاً لخرافة قديمة، وهي أنّ القاتل يجب أن يقتلع عيني المقتول؛ لأنّ صورة القتيل تظلّ مطبوعة فوق قرنيتيه لتكون شاهدَتين على الجريمة، وكأنّ هذا العدو المتجبّر يريد أن يُخفي الجريمة، ويقتل أحد الشهود حتى لو بدافع أسطورة قديمة.
وصل هذا الرجل، واسمه رباح عيد، إلى الأطبّاء المصريين بعد معاناة، وقد أعلنوا أنّهم سوف يحاولون تجميل صورة وجهه المشوّهة بعد اقتلاع عينيه، ولن يستطيعوا أن يعيدوا له بصره بالطبع. ولذلك، لم أتوقف وأنا أرى صورته الموجعة الرائجة عن ترديد ما كتبه أمل دنقل، مراراً وتكراراً، بل أحذّر نفسي أمام المرآة، وبكلّ وجع، قائلة: "لا تصالحْ!/ ولو منحوك الذهب/ أترى حين أفقأ عينيك/ ثم أثبت جوهرتين مكانهما../ هل ترى..؟/ هي أشياء لا تُشترى..".

سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.