في العودة الأميركية إلى لبنان

25 يوليو 2026

علم أميركي يطل على الضاحية الجنوبية فوق موقع للمارينز داخل مطار بيروت (19/1/1984 Getty)

في أغسطس/ آب 2017، انتشر في لبنان 70 جندياً أميركياً لدعم الجيش اللبناني في معاركه لتحرير جرود رأس بعلبك والقاع والفاكهة (شرقي لبنان) ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، قبل أن يلفظ التنظيم أنفاسه الأخيرة في الباغوز (2019) شرقي محافظة دير الزور السورية. كان الأميركيون يسعون، في ذلك الوقت، إلى تمكين الجيش اللبناني من حسم المعارك ضدّ "داعش"، ومنعه من التمدّد في لبنان. قلّةٌ فقط كانت تدرك أنّ العدد لن يتوقّف عند 70 جندياً، لكن أحداً لم يكن قادراً على توقّع ما جرى (ويجري) في لبنان بدءاً من 8 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023، حين قرّر حزب الله فتح جبهة إسناد لدعم قطاع غزّة. لكن كان من الواضح في عام 2017 أنّ مشروعاً لبنانياً ـ إسرائيلياً يُبنى في السرّ بين المبعوث الأميركي لشؤون الطاقة (في حينه) عاموس هوكشتاين، ورئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه برّي. أثمرت المفاوضات عن "اتّفاق الإطار". الاسم ليس غريباً في أيّامنا، بما أنّ هناك "اتّفاق إطار" آخر وُقِّع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) في واشنطن. "اتفاق إطار" برّي ـ هوكشتاين أفضى إلى ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. وهي الحدود نفسها التي احترمها، إلى درجة كبيرة نسبياً خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ عام 2023، الإسرائيليون وحزب الله.

كان برّي يعلم (ليس من خلال تواصله مع هوكشتاين، بل حتّى منذ أيّام المبعوث الأميركي فريدريك هوف الذي دشّن رحلة الترسيم الحدودي البحري في عام 2012) أنّ الأميركيين، في نهاية المطاف، سيأتون إلى لبنان. القاعدة واضحة: حيثما يكون هناك نفط، يكون الأميركيون. الأهمّ أنّ المسار الأميركي تجاه لبنان لم يتبدّل استراتيجياً، وإن تغيّرت التكتيكات. يعود هذا إلى أنّ مراحل ترسيم الحدود البحرية تمّت في عهد الرئيسَين الديمقراطيَين، باراك أوباما (2009 ـ 2017) وجو بايدن (2021 ـ 2025)، وفي عهد الرئيس الجمهوري دونالد ترامب (2017 ـ 2021)، ومنذ عام 2025. يعني هذا أنّ المسألة اللبنانية في واشنطن تتجاوز الرؤساء والحزبَين التقليديَين إلى دور لبنان في السياسات الأميركية في الشرق الأوسط. ومع أنّ بيروت ليست تل أبيب بالقوّة العسكرية، ولا دمشق منبسطة المساحات، غير أنّ موقعها آيل للتحوّل إلى قلعةٍ محصّنةٍ مشرفةٍ على شرق يسوده قلق دائم على أمنه وسلمه.

في تفاصيل العودة الأميركية إلى لبنان، سواء بإعادة العمل بالرحلات الجوّية المباشرة أو حتّى بالاستثمارات، استعادة رحلة تاريخية أيضاً إلى مرحلة تأسيس الكلّية الإنجيلية السورية في عام 1866 التي بات اسمها "الجامعة الأميركية في بيروت" في عام 1920. تأسّست الكلّية في وقتها بُعيد اضطرابات واسعة تلاها صعود تيّار النهضة العربية في وجه العثمانيين. يأتي الأميركيون، اليوم، في لحظة حرجة في علاقة لبنان مع إيران. واستطراداً، في علاقات معظم الدول العربية مع إيران. هنا تتوقّف المقارنات. يستند الأميركيون في لبنان، اليوم، إلى قاعدة ثابتة من القبول، بدءاً بالمستويات السياسية، فالثلاثة رؤساء؛ الجمهورية جوزاف عون والحكومة نوّاف سلام ومجلس النواب نبيه برّي، مؤيّدون لكلّ دور أميركي في لبنان. وهناك أكثرية اقتصادية وسياسية وشعبية موافقة على الدور الأميركي، على عكس ما كان عليه الأمر في الثمانينيّات حين تعرّضت المصالح الأميركية لهجمات دموية أفضت إلى خروجها من لبنان.

هنا، لم يخطئ عون في الاعتماد على الأميركيين، تماماً كما لم يُخطئ برّي في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وكذلك لم يخطئ حزب الله في محاولاته فتح قنوات مع الأميركيين. ما هو واقع ليس مثالياً، لكنّه مفتاح الواقعية. في المقابل، كلّ مَن سعى إلى مواجهة الأميركيين أُزيح من المشهد في لحظة التحوّلات. رئيس الجمهورية اللبناني السابق ميشال عون والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد شاهدان على ذلك. الأوّل قرّر مواجهة واشنطن، فأسقطه الثاني، بوحيٍ أميركي في ظلّ سعيه إلى كسب الأميركيين إلى جانبه. المثالية هنا لا تتجلّى في معاداة الأميركيين، لأنّ البديل عنهم غالباً ما يكون الطرف الإسرائيلي، على اعتبار أنّ إيران لم تكن أصلاً في موقع قادر يسمح لها بأداء دور جامع في بيروت. ليس صعباً على اللبنانيين استيعاب المتغيّرات الحالية، خصوصاً أنّ الأميركيين المتحدّرين من أصل لبناني يتراوح عددهم بين 600 ألف وثلاثة ملايين، وينحدر جزء كبير منهم من الجنوب اللبناني، ومن قرى تُمحى يومياً على أيدي إسرائيل. هم أنفسهم لن يتردّدوا في تأييد انخراط أميركا في لبنان.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في صحيفة "العربي الجديد".