فن التلاعب بالأرقام
(شارل خوري)
تلاعب وزير للاقتصاد في مصر بالأرقام والإحصاءات، في أواحر السبعينيات، لتحسين صورة الاقتصاد، على غير الحقيقة، فكان يحتسب القروض والديون ضمن إيرادات الموازنة العامّة. وبعد نحو نصف قرن، تمارس الحكومة المصرية الحالية لعبة الخداع بالأرقام نفسها، مع فوارق مهمّة يصعب إغفالها. فكلّ ما يجري حالياً من خداع وتلاعب، واضح ومكشوف أمام العالم أجمع، حتّى إنّ البُشريات الضخمة والوعود البرّاقة التي تطلقها السلطة في مصر بين حين وآخر، تحظى بسخرية مُرّة وأسى عميق بين المصريين، بمن فيهم المواطون العاديون غير المتخصّصين في الاقتصاد. والسخرية ديدن المصريين عبر تاريخهم الممتدّ منذ آلاف السنين، فهي وسيلة آمنة للاعتراض الضمني، أمّا الأسى فهو حالة متجدّدة من اجترار الأسف السلبي على ما آلت إليه أحوال البلاد والعباد.
ورغم عدم تصديق المصريين ما ظلت تطرحه الحكومات المتعاقبة في العقد الماضي، المأساوي بامتياز في تاريخ الحكم بمصر، إلا أنّ الإصرار على استخدام لغة الأرقام المبالغ فيها والتوقّعات غير المنطقية، يلازم أجهزة السلطة الرسمية ومؤسّساتها من حكومة إلى أخرى، حتّى إنّ بعض المصريين يتندرون في وسائل التواصل الاجتماعي على المبالغة في الجدّية و"اندماج" المسؤولين وهم يكذبون على الشعب، وكأنّهم بالفعل صادقون ويصدّقون ما يقولون، من كثرة ما اعتادوا تضخيم الأرقام ولَيّ دلالاتها.
من أبرز الأمثلة على إدمان السلطة في مصر التلاعب بالأرقام، لتمرير مشروعات وإجراءات تقرر تنفيذها من دون دراسة كافية، مشروع المونوريل الذي افتُتحت المرحلة الأولى من جزئه الأول الذي يغطّي شرقي العاصمة المصرية. ففي ذلك المشروع كثير من التسرّع وسوء التقدير، إن لم يكن الفساد في تخطيطه وصياغة عقوده وتحديد تكلفته الإجمالية، وكذلك تكاليف التشغيل المستقبلية، إذ أعلنت وزارة النقل أنّ شركة بومباردييه الكندية ستتولّى إدارة المشروع وتشغيله بمقابل يفوق ما حصلت عليه الشركة لإدارة مشروعات مونوريل مشابهة في دول أخرى، بنسبة زيادة تصل إلى 30%. وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت، في بدايات تنفيذ المشروع قبل ثلاثة أعوام، أنّه سيتكلف 2.8 مليار دولار، ثمّ أعلنت الحكومة نفسها مع افتتاح المرحلة الأولى أنّ التكلفة تصل إلى 4.5 مليارات دولار، تشمل قيمة عقد الإدارة والتشغيل 15 عاماً. ويستلزم الوفاء ببنود هذا العقد أن ينقل "المونوريل" نحو 30 ألف راكب يومياً، بتسعير يراوح بين 20 و80 جنيهاً للراكب الواحد. وهي أرقام غير واقعية، ويصعب تحقيقها في ظلّ تردّي الأحوال المعيشية للمصريين.
وفي سياق الأرقام أيضاً، دشّنت مصر خلال الأعوام القليلة الماضية مشروعات حمل كلّ منّها لقب "مشروع قومي". وشمل ذلك مزارع سمكية واستصلاح أراضٍ (مشروع المليون فدان) وغير ذلك من المشروعات كان نجاح أيّ منها يكفي لتحسين أحوال لتخفيف أعباء الاقتصاد المصري وأحوال المواطنين بشكل كبير. وهكذا تتفاقم يومياً هذه السلسلة الكارثية من مشروعات غير ضرورية يجري فيها تلاعب واسع بالأرقام، وإخفاء محترف للفساد.
قبل أيّام فقط، عاد رئيس الحكومة المصرية إلى ممارسة هواية التلاعب بالأرقام، فأعلن أنّه أُنشئت 16 مدرسة في منطقة شعبية بمحافظة الجيزة. والأكثر أهمّية من المبالغة الفجة في الرقم، أنّ تلك المدارس قائمةٌ أصلاً، باستثناء واحدة استُحدثت أخيراً. وتجنّب رئيس الحكومة ذكر رسوم تلك المدرسة لأنّها تتجاوز 50 ألف جنيه مصري للطفل الواحد، ما لا يمكن للأهالي البسطاء تحمّله سنوياً.
تلك هي اللعبة التي بات المسؤولون في مصر يجيدونها بامتياز، إطلاق أرقام إيجابية غير دقيقة تبشّر بعوائد ضخمة، وإغفال أرقام التكاليف والإنفاق الفعلي. وبين هذه وتلك، تضلّ مليارات من الجنيهات طريقها بعيداً عن المواطن المصري لتستقرّ في جيوب غير معلومة.