فصل الصيف والبحر

11 مايو 2026

(تيسير بركات)

+ الخط -

استمعت قبل أيّام، في الإذاعة، إلى حديث طريف من طبيب أجرى دراسةً على عيّنة عشوائية لعشرات الناس في عُمان، فاكتشف أرقاماً مهولة تتعلّق بنقص فيتامين دال الحيوي والأساسي لصحّة الإنسان. وقد تحدّث مطوّلاً عن حالات خطرة، ثمّ ضحك فجأة أثناء حديثه، قبل أن يستطرد: "شرّ البلية ما يضحك؛ البلدان التي ليس بها شمس لديها حالات أقلّ منا بكثير، ونحن لدينا، ما شاء الله، ها الكثر شمس، ولكن لا أحد يستفيد منها". وكنت أظن في طفولتي أنّ الشمس، بسبب حرارتها الشديدة أثناء الصيف، وُلدت في عُمان، وترعرعت بين الجبال قبل أن تنبت لها أجنحة وتنطلق إلى بقية بلدان الله.
لا نشعر بالشمس، والسبب ببساطة هو المُكيِّف وهواؤه الخادع، الذي يغلفنا مظلّةً ويتبعنا ظلاً، حتى إنّ النوم اعتاد عليه وغير مستعدّ أن يأتي من دونه... مرحباً بفصل الصيف والبحر.
في مساءات الإجازات، وقبيل فترات الغروب، تكون الشواطئ ممتلئة بالسابلين والمستحمّين. يكون البحر أيضاً هادئاً بلا أمواج، وكأنّك أمام مسبح على امتداد النظر. وإذا تشجّعتَ ورميتَ جسدك في الماء، فلن يحتاج الأمر أكثر من خلع ملابس نصفك العلوي، وسترى نفسك تغوص عميقاً في صفحته الدافئة.
يكون الشاطئ مليئاً بالأطفال المراقبين من أهاليهم خوفاً من التقدّم في الماء حتى لا يغرقوا. وهكذا، في كلّ منطقة من البحر هناك سنّ معينة من المستحمّين، إلى أن يصل الماء إلى صدرك، حينها ستجد من هم في مثل عمرك وقد غمرهم الماء. وبسبب هدوء البحر، ستكون الأصوات مسموعةً، وكأنّ البشر في مجلس كبير.
سبق أن أجريتُ أحاديث مع أشخاص في وسط البحر. قبل يومَين، وجدت طفلاً في عمر التاسعة يجيد السباحة، نصحته بعدم الاقتراب أكثر، فابتسم قبل أن يردّد: "عمّي! أنا أعرف أتسبّح"، لأكتشف أنّه من عائلة صيّادين يقطنون غير بعيد من البحر. قال لي إنّ أباه كان يرميه من القارب أحياناً في عرض البحر ليعلّمه السباحة، قبل أن ينضمّ إليه ويقفز إليه من القارب.
هناك حكمة في ما يخصّ تعلّم السباحة: إن أفضل سنّ لتعليم السباحة هي سنّ الطفولة الأولى، بأن ترمي ابنك في عرض البحر وتتركه يغرق قليلاً قبل أن تتدخّل لمساعدته، فلا بدّ أن يشرب الماء قبل أن يتعلّم. كان الطفل يطفو محرّكاً رجليه ويديه برشاقة. وحين تلفّتُ باحثاً عمَّن يراقبه لم أجد أحداً. يبدو أنّه متعوّد بالفعل، ولأنّ البحر ساعتها بلا أمواج أو رياح، ربّما اطمأن والداه إلى هذا الأمر وسمحا له بالسباحة.
أنا أيضاً مدين لطفولتي بتعلّم السباحة. بدءاً من الأفلاج في القرية والبرك المائية المتناثرة هنا وهناك، إذ إنّنا ما إن نجد بركة في أثناء ركضنا إلّا ونرمي أنفسنا فيها، نخلع سريعاً قميصنا العلوي ثم نقفز. وحين نذهب إلى قرية بركاء الساحلية، حيث كانت تعيش خالتي وأبناؤها، كنّا نشقّ طريقنا جهة البحر، وكان أبناء خالتي يجيدون السباحة لأنّ قريتهم ساحلية. لم يكن أحد يراقبنا من الكبار، وإذا قارب أحدنا على الغرق، فإنّه لا بدّ أن يجد مَن ينقذه من بين الأطفال ليعيده إلى الشاطئ، وهكذا حتى يتعلّم السباحة. ولم نكن نتجرّأ على خوض غمار السباحة حتى نتأكّد من أنّ البحر هادئ، لأنّه إذا كان ثمّة ريح وأمواج، فإنّه لن يكون مأموناً، فالبحر خدّاع حين يكون غاضباً، كما أنّ أقاربنا لن يسمحوا لنا بالسباحة بسبب نواهٍ صارمة تلقوها سابقاً من أهاليهم في حال كان البحر هائجاً.
بعض المصطافين كانوا يكتفون بالجلوس في الرمال ومراقبة أطفالهم وهم يستحمّون في بداية الشاطئ، أو يبنون بيوتاً وهميةً على الرمل. الأمهات عادةً ما يبالغن في الحرص على الأطفال بسبب عدم اطمئنانهنّ إلى البحر، والحقيقة بسبب عدم معرفتهنّ بأمور السباحة في حال تقدّم الطفل بعيداً في عرض الماء، لذلك سترى الصراخ على أشدّه بين الطفل العنيد وأمّه، بينما الأب يكتفي عادةً بالمراقبة أو بتدخين سيجارة إن كان مدخّناً.
بدأ الصيف، وسيكون المتنفّس الأقرب إلى الناس هو البحر. ولأنّ زحف المشاريع البحرية صار على أشدّه، فإنّ الزحمة ستكون شديدة أيضاً على المسافات المخصّصة للسباحة، مع زحمة أخرى تتعلّق بعدد من اللاعبين الشباب الذين سيختارون شواطئ البحر لممارسة رياضاتهم الجماعية.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي

كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية

محمود الرحبي