عندما يكذب المجرمون
نُشرت قبل أيام صورة لناقلة عسكرية إسرائيلية تحمل جنوداً متضاحكين، قرّروا أن ينشروا بعض ذكرياتهم، أو بالأحرى بطولاتهم، في قطاع غزّة إبّان بداية حرب الإبادة، وحيث يعتقدون أنهم فعلاً قد قاموا بأعمال بطولية. ولكن اللافت في هذه الصورة، التي مرّ عليها نحو عامين، أن هناك امرأة مسنّة وأخرى شابّة في الجانب الأيسر من الناقلة، وقد عُصبت أعين المرأتين، ولكن هذا لم يمنع أهلهما من التعرّف إليهما، وقد ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي التي تشير إلى تعرّف عائلة الأم وابنتها عليهما، وكذلك الجيران والأقارب والمعارف.
يشير نشر هذه الصورة إلى كذب رواية المجرمين التي ينقلونها إلى العالم بأنهم حريصون على إنقاذ حياة المدنيين، وخصوصاً النساء، وذلك لأنهم أشاروا خلال نشرها أنهم قد نقلوا المرأتين إلى منطقة آمنة، وهما من منطقة خانيونس، وقد كانتا تسكنان في بيت مجاور لأحد قادة حماس، وقد كانت تلك المنطقة ساخنة فعلاً مع بدايات حرب الإبادة، وعاث بها جيش الاحتلال قتلاً وتدميراً وحصاراً. وبالمناسبة، تعرّضت مدينة خانيونس لأكبر نسبة من التدمير في بداية الحرب قياساً بمناطق أخرى، نوعاً من الانتقام لأنها معقل معظم قادة حركة حماس وسقط رؤوسهم، وذلك قبل محو مدينة رفح عن الوجود.
المرأتان هما عائشة العقّاد وابنتها هدى، والأم سبعينية، وقُتل زوجها وعُثر على جثّته، وقد ظنّت عائلتهما أنهما قد قُتلتا في أثناء قصف كامل منازل المنطقة، وظلّت جثتاهما تحت الركام، حال جثث يصل عددها إلى نحو عشرة آلاف جثّة بلا قبر، ولكنّ ظهور هذه الصورة أحيا بعض الأمل في قلب العائلة، خصوصاً بعد ادّعاء الجنود، في تعليق قصير مذيّل أسفل الصورة، أنهم قد نقلوهما من منطقة خطرة حرصاً على حياتهما.
تُظهر هذه الكذبة، مع انقطاع أخبار المرأتين، كذب الجنود المجرمين، لكي تنضم هذه الكذبة إلى كذبات بلا نهاية أطلقها الجنود منذ بداية الحرب حول إنسانيّتهم الزائفة، وكذلك كذبهم البارع والتّلاعب الماكر بمشاعر الآباء والأمهات. ومن أكاذيبهم المضلّلة ما قاموا به بحقّ سيّدة عجوز في بداية الحرب، والتي أُعلن عن فقدان أخبارها، وحيث طلب الجنود، في أثناء اقتحامهم منزل العائلة، من الجميع المغادرة باتجاه جنوب القطاع، واستغلّوا أنّ الجدّة مقعدة ولا تقوى على الحركة، فأخبروا أولادها وأحفادها الذّكور أنهم سوف يعتنون بها جيداً، وسيعملون على نقلها بطريقتهم، ولكن عليهم المغادرة على أقدامهم بأسرع وقت، ليتبيّن بعد شهور من إخلاء منطقة محيط مستشفى الشّفاء في مدينة غزّة، ثم عودة النازحين مع توقيع الهدنة الأولى نحو المدينة، أنّ الجدّة قد تُركت لكي تموت في فراشها، ووجدوا أنها تحوّلت إلى هيكل عظمي، في مشهدٍ يوحي ببشاعة ما اقترفه هؤلاء المجرمون بحقّها، واستخفافهم بكل معاني الإنسانية.
كذبة أخرى لا يمكن أن تُنسى، لأنّ أهل الشّاب الذي طلب من عائلته أن تغادر نحو الجنوب مع اجتياح محيط مستشفى الشّفاء أيضًا، لا يزالون يعيشون على أمل أنه لا يزال على قيد الحياة، خاصة أن هناك بعض الأسرى الذين أكدوا أنهم قد تعرّفوا عليه في أحد معتقلات الاحتلال، إن لم يكن الأمر قد التبس عليهم. وقد حاول الأب المكلوم يومها أن ينتزع فلذة كبده وابنه البكر من أيدي الجنود، ولكنّ ضابطاً إسرائيليًاً تقدّم من الأب في ثبات، وطلب منه أن يثق به، وأنه سوف يطلق سراح ابنه بعد تحقيق روتيني قصير، وكل ما عليه أن ينزح مع عائلته، التي تتكوّن من نساء وأطفال، نحو الجنوب بأقصى سرعة. وقد فعل الأب هذا على أمل أن يفي الضّابط المخادع بوعده، ولا يزال الأب يقنع نفسه بأنه سوف يعود، وبعد عامين على ولادة الطفل الذي كانت زوجة ابنه تحمله في أحشائها، لأنّه لا خيار أمامه سوى أن يصدّق أكاذيب المجرمين.