سورية بين ديمقراطية النبلاء وديمقراطية الوصاية

08 ابريل 2026

سوريون يحتفلون في حماه بسقوط نظام الأسد (19/12/2024 الأناضول)

+ الخط -

يتكرّر في خطاب مسؤولي السلطة الانتقالية في سورية، كلّما يُطرح موضوع الديمقراطية أو الانتخابات أو التمثيل السياسي، استخدام أمثلة تتعلّق بالإنقاذ والرعاية والحاجات الأساسية، فيُقال إنّ "الرهينة لا تسأل من حرّرها إلى أين يأخذها"، ويُقال إنّ "الطفل الذي يسقط في بئر ينتظر حبل النجاة"، ثم أُضيف إلى هذه الأمثلة حديثٌ عن "طفل يحتاج من يمشّط له شعره قبل أن يُسأل عن رأيه". ويأتي هذا الخطاب في سياق يُقدَّم الحكم فيه عملية رعاية وإدارة واستجابة لحاجات عامة، ويضع القرار السياسي داخل دائرة تنفيذية ضيّقة تتحكّم في مسار المؤسّسات وتوقيت تشكيلها، وتُحدِّد القواعد القانونية التي تعمل هذه المؤسّسات وفقاً لها. يظهر ذلك بوضوح في طريقة تشكيل "البرلمان" أو المجلس التشريعي، وفي أسلوب اختيار أعضائه، وفي غياب قانون انتخابي يحدِّد العلاقة بين المجتمع والتمثيل، وفي طريقة إدارة النقاش العام، إذ تُدفع القضايا المعيشية والخدمية إلى الواجهة مجالاً وحيداً متاحاً للنقاش، بينما يبقى موضوع السلطة السياسية وتوزيعها خارج التداول، وبهذا يتشكّل مجال عام يتحدّث بكثافة عن الإدارة والخدمات والاستقرار وإعادة البناء، ولا يتحدّث حتى ولو بقدر محدود عن التمثيل والمحاسبة وتداول السلطة، وبذلك سنرى مع مرور الوقت ترسيخ هذا الترتيب في الحياة العامة، لتصبح السياسة شأناً مؤجّلاً تتعامل معه السلطة التنفيذية بوصفه ملفّاً طويل الأجل تحدِّد هي توقيته وشروطه. وبهذا يتشكّل نظام سياسي فعلي قبل صدور الدستور وقبل إجراء الانتخابات، نظام يقوم على احتكار القرار السياسي مع الإبقاء على لغة عامة تتحدّث عن المستقبل الدستوري والمؤسّساتي.

تحتاج الدولة إلى مجال سياسي يُجدّد النُّخب وينتج البرامج ويعيد توزيع السلطة

تعتمد السلطة الانتقالية في تثبيت موقعها على معيار الاستقرار وتقديم الخدمات الأساسية وإعادة تشغيل مؤسّسات الدولة، ويُستخدم هذا المعيار أساساً لمنحها حقّ إدارة المرحلة وتحديد أولوياتها، ويؤدّي هذا المنطق إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والسلطة فيصبح تقييم الأداء بديلاً من المشاركة في القرار، وتُقاس العلاقة بين الطرفَين من خلال مستوى الخدمات والأمن والاستقرار. ويضع هذا التصوّر السلطة في موقع الجهة التي تقرّر وحدها ما تعتبره إنجازاً كافياً للاستمرار، ما يجعل المجتمع في موقع المتلقّي الذي يقيّم النتائج من دون أن يمتلك أدوات تغيير القواعد التي تنتج هذه النتائج. ومع استمرار هذا النمط، تتشكّل شرعية قائمة على السيطرة الإدارية وعلى إدارة الموارد، وتتحوّل السياسة إلى مجال مغلق تديره النُّخبة التنفيذية وتحدِّد إيقاعه، ويؤدّي ذلك إلى نشوء نظام حكم يرتكز على الإدارة، ويتراجع فيه دور التمثيل والتوازن المؤسّسي.
تؤدّي هذه العملية إلى إفراغ المجال العام من الفعل السياسي المنظَّم، إذ يتحوّل النقاش العام إلى نقاش عن الأداء التنفيذي وكفاءة الإدارة وقدرة المؤسّسات على العمل، بينما تغيب النقاشات المتعلّقة ببنية النظام السياسي وبقواعد تشكيل السلطة وبآليات المحاسبة، ويظهر هذا التحوّل في طريقة إدارة الإعلام وفي طبيعة الخطاب الرسمي وفي شكل اللقاءات العامة التي تركّز على الخطّط والمشاريع والبرامج التنفيذية، ويؤدّي ذلك إلى تراجع المجال الذي تتشكّل فيه البرامج السياسية والرؤى الاقتصادية المتنافسة، ويتحوّل المجال العام إلى مساحة عرض للسياسات التنفيذية بدلاً من أن يكون مجالاً لصراع سياسي مشروع حول الخيارات الكبرى للدولة. ومع غياب التنافس السياسي المنظم، تزداد قوة الجهاز التنفيذي لأنّه يصبح المصدر الوحيد للقرار وللمعلومة ولتحديد الأولويات، ويترسّخ نظام حكم يقوم على مركز تنفيذي قوي ومجال سياسي محدود.
تقدّم التجربة التاريخية لـ"الكومنولث البولندي الليتواني"، مثالاً مهماً على نظام سياسي قام على تمثيل فئة اجتماعية محدّدة امتلكت حقّ اختيار الملك وحقّ تعطيل قرارات البرلمان، فأنتج هذا النظام طبقةً سياسيةً احتكرت القرار السيادي وأدارت الدولة وفق توازنات داخلية بين النبلاء، وأدّى ذلك مع الزمن إلى إضعاف قدرة الدولة على الإصلاح وعلى اتخاذ قرارات استراتيجية، لأنّ بنية النظام ربطت القرار السياسي بمصالح طبقة محدَّدة. وتظهر أهمية هذه التجربة في أنّها تكشف أثر حصر السياسة داخل دائرة ضيقة، فيؤدّي احتكار القرار إلى شلل مؤسّسي تدريجي وإلى ضعف القدرة على التكيّف مع التحوّلات الدولية، ويقدّم هذا المثال التاريخي مادة مقارنة تساعد في فهم خطورة حصر المجال السياسي داخل بنية محدودة العدد والتأثير، لأنّ الدولة الحديثة تحتاج إلى مجال سياسي واسع يسمح بتجديد النُّخب وبإنتاج برامج مختلفة وبإعادة توزيع السلطة بشكل دوري، وعندما يضيق هذا المجال، تزداد هشاشة الدولة حتى لو امتلكت مؤسّسات إدارية قوية.
المفارقة هنا أنّ ما سُمّي في أوروبا القرن السادس عشر بـ"ديمقراطية النبلاء" قام على مشاركة سياسية محصورة داخل طبقة اجتماعية محدَّدة، أي أنّ السياسة كانت موجودةً لكنّها بقيت داخل دائرة اجتماعية ضيّقة، أمّا في الحالة السورية، فإنّ النقاش يدور حول توقيت السماح بوجود السياسة نفسها، وهذا الفارق يغيّر طبيعة المسألة بالكامل، لأنّ حصر السياسة داخل طبقة اجتماعية يختلف عن تأجيل السياسة نفسها.

قد تتحول المرحلة الانتقالية إلى نظام سياسي قائم بحدّ ذاته عندما تمتدّ لسنوات طويلة وتتشكّل مؤسّسات وقوانين وشبكات مصالح ونُخب مرتبطة ببنية المرحلة

وهنا يظهر لنا في الحالة السورية نموذج يمكن تسميته "ديمقراطية الوصاية"، تحتفظ معه السلطة التنفيذية بحقّ إدارة المرحلة وتحديد شكل المؤسّسات التشريعية وتوقيت الانتخابات وصوغ القواعد الدستورية، ويجري تقديم هذا النموذج مرحلة ضرورية لإعادة بناء الدولة ولتحقيق الاستقرار، ويقوم هذا النموذج على مركز سياسي واحد يدير عملية تشكيل المؤسّسات من الأعلى إلى الأسفل، ويحدِّد قواعد العمل السياسي ويشرف على تشكيل الهيئات التمثيلية، ويؤدّي هذا المسار إلى نشوء مؤسّسات تعمل داخل الإطار الذي ترسمه السلطة التنفيذية، ما يحدّ من قدرة هذه المؤسّسات على العمل مراكزَ مستقلّة لإنتاج القرار. وبهذا المعنى، تتحوّل الديمقراطية إلى مسار مؤجل تحدّد السلطة توقيته وشروطه، ويتشكّل نظام سياسي تتركّز فيه السلطة في المركز التنفيذي، بينما تعمل المؤسّسات التمثيلية داخل حدود مرسومة مسبقاً. وليصبح النظام السياسي قائماً على إدارة مركزية للمرحلة وعلى شبكة مؤسّسات مرتبطة بها تنظيمياً وسياسياً، فيستمرّ هذا النمط ما دامت المرحلة الانتقالية قائمة، ومع مرور الوقت يترسّخ طريقةً مستقرّةً للحكم.
تُظهر تجارب سياسية متعدّدة أنّ المرحلة الانتقالية قد تتحوّل إلى نظام سياسي قائم بحدّ ذاته عندما تمتدّ لسنوات طويلة تتشكّل خلالها مؤسّسات وقوانين وشبكات مصالح ونُخب إدارية وسياسية مرتبطة ببنية المرحلة، وعندها تصبح المرحلة إطاراً دائماً لإدارة السلطة، إذ يُؤجّل الحسم الدستوري وإعادة توزيع السلطة، وتعمل المؤسّسات داخل وضع قانوني مؤقّت يمتدّ زمنياً، فتتشكّل طبقة سياسية وإدارية تستمدّ موقعها من إدارة المرحلة، ليؤدّي ذلك إلى نشوء توازنات جديدة تخشى من الانتقال إلى نظام تمثيلي كامل، لأنّ هذا الانتقال يفتح باب إعادة توزيع السلطة، ويصبح الاستمرار في المرحلة خياراً سياسياً يوفّر استقراراً للنُخبة الحاكمة، ويتحوّل الزمن الانتقالي إلى زمن سياسي مفتوح تعمل داخله السلطة وفق قواعد تضعها بنفسها.
الدولة الحديثة تحتاج إلى مجال سياسي منظّم يضمّ أحزاباً ونقابات ومؤسّسات تمثيل ومراكز أبحاث وصحافة مستقلة، لأنّ هذا المجال يسمح بتجميع المصالح الاجتماعية وتحويلها إلى برامج سياسية قابلة للتنفيذ، ويسمح بتجديد النُّخب وبإنتاج قيادات جديدة وبإعادة توزيع السلطة بشكل سلمي، وعندما يضعف هذا المجال تتحوّل الدولة إلى جهاز إداري كبير يدير مجتمعاً واسعاً من دون وجود قنوات تمثيل فعّالة، ما يؤدّي إلى تراكم مطالب اجتماعية واقتصادية من دون وجود مؤسّسات سياسية قادرة على تمثيلها والتفاوض حولها. ومع الزمن، يظهر ضغط اجتماعي يبحث عن قنوات تعبير خارج المؤسّسات الرسمية، ويصبح الاستقرار مرتبطاً بقدرة الجهاز التنفيذي على الضبط أكثر من ارتباطه بوجود توازن سياسي مستقرّ، وتتحوّل السياسة إلى نشاط محدود داخل دوائر ضيّقة بينما يبقى المجتمع خارج عملية صنع القرار.
استُخدمت في الأدبيات السياسية المعاصرة مصطلحات لوصف أنظمة تجمع بين وجود مؤسّسات تمثيل، وقيود كبيرة على تداول السلطة، مثل "الديمقراطية الموجّهة" و"الديمقراطية غير الليبرالية" و"السلطوية الانتخابية"، وتشترك هذه الأنظمة في وجود انتخابات وقوانين أحزاب ومؤسّسات تمثيل تسمح بقدر من العمل السياسي المنظّم، بينما تشير الحالة التي نتحدّث عنها هنا إلى وضع مختلف، إذ يجري تشكيل مؤسّسات التمثيل قبل نشوء حياة سياسية مستقلّة، وتُبنى هذه المؤسّسات بقرارات صادرة عن المركز التنفيذي، وتعمل داخل القواعد التي يضعها هذا المركز، ويؤدّي ذلك إلى نشوء مؤسّسات تمثيل مرتبطة تنظيمياً وسياسياً بالسلطة التي أنشأتها، ويصبح المجال السياسي محكوماً بالقواعد التي تضعها السلطة نفسها.

يدور النقاش في سورية حول توقيت السماح بوجود السياسة، لأنّ حصرها داخل طبقة اجتماعية يختلف عن تأجيلها

تعود المقارنة التاريخية هنا لتأخذ معناها السياسي، لأنّ الكومنولث البولندي الليتواني انهار نتيجة عجز سياسي تراكمي، حين أدّى احتكار القرار داخل طبقة النبلاء إلى شلل مؤسّسات الدولة وإلى عجزها عن الإصلاح، ومع مرور الوقت، فقدت الدولة قدرتها على التكيّف مع التحوّلات، وتحوّلت مؤسّساتها إلى مؤسّسات غير قادرة على اتخاذ القرار، وانتهى ذلك بتفكّك الدولة وتقسيمها في نهاية القرن الثامن عشر، ولتوضّح لنا هذه التجربة أنّ حصر السياسة داخل دائرة ضيقة يضعف الدولة مع الزمن، لأنّ الدولة تحتاج إلى مجال سياسي واسع يسمح بتجديد النُّخب وبإنتاج برامج مختلفة وبإعادة توزيع السلطة بشكل دوري.
المسار الذي تنتهجه السلطة الانتقالية في سورية سينجم عنه نظام حكم يقوم على مركز تنفيذي قوي يدير مؤسّسات تشريعية محدودة الاستقلال، وعلى مجال عام يتركّز على القضايا المعيشية والخدمية، ما سيؤدّي إلى نشوء دولة تمتلك جهازاً إدارياً نشطاً وقدرة على إدارة الموارد وفرض الاستقرار، وتمتلك، في الوقت نفسه، مجالاً سياسياً محدوداً ونُخباً سياسية مرتبطة ببنية المرحلة الانتقالية. ومع مرور الوقت، يصبح الانتقال ذاته إطاراً دائماً لإدارة السلطة، وتتشكّل داخل هذا الإطار مصالح وشبكات ونُخب جديدة، ويصبح الانتقال إلى نظام تمثيلي كامل عملية معقّدة لأنّها تعني إعادة تشكيل المجال السياسي وإعادة توزيع السلطة خارج البنية التي تشكّلت خلال سنوات المرحلة الانتقالية. وبذلك يتحدّد مستقبل النظام السياسي بمدى قدرة الدولة على فتح المجال السياسي المنظّم وعلى بناء مؤسّسات تمثيل مستقلّة وعلى نقل مركز الشرعية من الإدارة التنفيذية إلى المجتمع المنظّم داخل مؤسّسات سياسية.

مالك الحافظ
مالك الحافظ
صحفي وأكاديمي سوري، دكتوراه في العلوم السياسية، أصدر مؤلفات في الصحافة والعلوم السياسية.