زيلينسكي يرفع أسهمه السياسية
زيلينسكي في اجتماع مع ستارمر على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا (16/6/2026 Getty)
ليست المصفاة التي استُهدِفَت يوم الخميس بالمسيّرات الأوكرانية ثانوية، بل هي من أهم مصادر وقود السيارات والطائرات التي تعتمد عليها موسكو. فقد أصابت الضربات وحدة التقطير الرئيسية والمنظومة الأساسية للتكرير، وأشعلت حرائق كبيرة في أجزاء متعدّدة من المنشأة. وبذلك تكون المحطّة قد خرجت عن العمل مؤقتاً، ما يعني توقف خدماتٍ كثيرة تعتمد على نواتج المحطة. وأكدت وزارة الدفاع الروسية أنها اعترضت حوالى ألف مسيّرة مهاجمة خلال 24 ساعة، وإن اعتُمِد هذا الرقم، فهو كافٍ ليعطي فكرة عن حجم الهجوم الهائل التي نفّذته أوكرانيا، ويأتي مع الاعتراف الروسي بالأضرار التي شملت مواطنين ومباني سكنية وتجارية وإغلاق أربعة مطارات روسية رئيسية، تأثير عميق يتركز لدى المواطن الروسي العادي الذي قدّم له الكرملين هذه الحرب عملية مضبوطة وبعيدة عن عاصمته، ولكنها أصبحت تُرى بالعين مباشرة، ويمكن أن يشمّ الجميع رائحة البارود من داخل موسكو.
لم تكن الهجمات الأوكرانية أخيراً على موسكو بهذه الأعداد الكبيرة من الدرونات، وعلى محطّات تصفية النفط الحيوية الروسية، مجرّد ردود عسكرية على هجمات روسية مشابهة على أوكرانيا، بل يمكن تلمُّس تحرّك أوكراني واضح لتوسيع جبهات القتال وعدم حصرها في خنادق دونباس، وتطبيق ضغط اقتصادي ونفسي كبير على روسيا، التي اعتمدت خلال سنوات الحرب على تسخير تفوقها في الصواريخ والطيران لضرب المدن والبنية التحتية الأوكرانية، باستخدام مسيّرات بعيدة المدى مستوردة ومنتَجة محلياً، وتحاول أوكرانيا اليوم استخدام الطريقة نفسها، مستفيدة من تكنولوجيا استطاعت تطويرها، أو الحصول عليها، لتطبيق معادلة ردع، مع مبادرة في الهجوم لتوصيل رسائل نفسية واقتصادية تطاول قطاعاتٍ روسية حيوية، وتجعل بوتين يدرك أن النيران يمكنها أن تصل إلى عتبات النوافذ والأبواب في موسكو.
سبق التوسيع العسكري تحرّك سياسي أوكراني تجاوز مسألة الإلحاح في طلب السلاح من العواصم الغربية، نحو اللقاء المباشر مع تركيا وتوسيع المجال، وصولاً إلى سورية، حيث تربض قاعدتان روسيتان في الساحل.. كان زيلينسكي ثاني رئيس دولة يزور دمشق، وهي خطوةٌ منه نحو تحريك السياسة باتجاه الجنوب، لبناء شبكة نفوذ ذات طبيعة مختلفة، يمكن أن تربط البحر الأسود بشرق المتوسط.. لطالما كانت سورية في عهد الأسد "واحة" روسية مريحة لبوتين الذي حاول الدفاع عنها لسنوات طويلة ضد الثائرين على الأسد، واستخدم كل الوسائل المتاحة، وحاول، وما زال، الاحتفاظ بقاعدتيه، الجوية في حميميم، والبحرية في طرطوس، حتى بعد سقوط الأسد، لكن العلاقات التي كانت مقطوعة مع كييف أعادها الرئيس أحمد الشرع، ما أثمر زيارة زيلينسكي التي لم تأتِ بروتوكولية لمجرّد المجاملات الدبلوماسية، بل تضمّنت حديثاً عسكريّاً، وجرى الاتفاق على تبادل أمني وتعاون في مجالات الطاقة والغذاء، واللافت أن ذلك اللقاء كان بوجود طرف ثالث تركي، بما يعني أن الصيغة المعنية تآلف ثلاثي، ليست تركيا فيه مجرّد وسيط، ولكنها جسر سياسي يسهل العبور.
تنتقل سورية بوضوح من خندق مجاور لروسيا كانت تُعَدّ فيه حليفاً ثابتاً، إلى دولة تبحث في التعاون مع العدو الأول بالنسبة إلى روسيا، وفي حرب كالتي يخوضها بوتين، لا يقاس النصر بمساحة الأراضي التي يمكن احتلالها، أو إعادة احتلالها، لكنه يقاس بعدد الحلفاء وعدد العواصم التي تتبنّى وجهة النظر الروسية. ويمكن لبوتين في هذا الوضع أن يزيد التمسّك بقاعدتيه في سورية، وبدل أن ينسحب بهدوء قد يفكّر في إحداث كثيرٍ من الصخب، وهو ما تحاول سورية وتركيا معاً السيطرة عليه، وضبط الفوضى المحتملة، قبل الإعلان الفعلي لما يمكن أن يُسمّى محوراً جديداً، والتصعيد العسكري الأوكراني الذي شهدناه الشهر الماضي (مايو/ أيار) وما قد يليه، يريد منه زيلنسكي أن ينجلي عن تحالفاتٍ من نوعٍ جديدٍ تمكِّنه من لعب دورٍ في رسم شكل المحاور الإقليمية التي ستخرج من أنقاض الحرب.