ديناميات الانتقال الديمقراطي في الصومال: قراءة في المنعطفات المفصلية
مقترعون صوماليون يصوتون في مقديشو لانتخاب الرئيس (15/5/2022 الأناضول)
منذ أبصرت الدولة الصومالية الحديثة النور عام 1960، مرّت البلاد بمراحل سياسية متباينة، أوّلها عهد الحكم المدني الذي مثّلت الانتخابات العامة أبرز معالمه، بوصفها الآلية التي يُحتكم إليها في اختيار من يتولّى مسؤولية الحكم، وتجسيداً لمبدأ التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع. وقد بلغ هذا المسار الديمقراطي، في بدايات الدولة الصومالية، من النضج ما جعل بعض السرديات السياسية الأفريقية تشير إلى أن الرئيس الصومالي آدم عبد الله عثمان، رحمه الله، كان من أوائل الرؤساء الأفارقة الذين أذعنوا لنتيجة الانتخابات، وقبلوا انتقال السلطة عقب هزيمتهم الانتخابية، وذلك عام 1967.
ولم يكن ذلك الموقف واقعة عابرة في التاريخ السياسي الصومالي، بل مثّل سابقةً جديرةً بالتأمّل في مسيرة التداول السلمي للسلطة في القارة الأفريقية، لا سيّما أنّ هذا حدث في ستينيّات القرن الماضي، في وقت كانت فيه القارّة لا تزال ترزح تحت وطأة الانقلابات العسكرية، وتتعاقب عليها أنظمة الحكم الفردي والعسكري التي كثيراً ما جعلت من صناديق الاقتراع استثناءً، ومن الانقلاب طريقاً مألوفاً إلى السلطة. ومن هذه الزاوية، بدت التجربة الصومالية آنذاك نافذةً مضيئةً في فضاء أفريقي مثقل بالاضطراب السياسي، وكأنّها كانت تضع لبنةً مبكّرةً في بناء تقليد ديمقراطي كان يمكن له، لو استمرّ، أن يتحوّل إلى نموذج يُحتذى في المنطقة.
لم يلبث هذا المسار أن انقطع بصورة حاسمة. ففي 1969، جاء الانقلاب العسكري بقيادة اللواء محمّد سياد برّي ليضع حدّاً للتجربة المدنية الوليدة، ويطوي صفحةً من صفحات الديمقراطية الصومالية قبل أن تكتمل ملامحها. وكان ذلك الانقلاب بمثابة القشّة التي قصمت ظهر مسار سياسي كان في طور التشكّل؛ مسار بدت في أفق القرن الأفريقي بوادره شمعةً صغيرةً، كان يمكن لها، لو تُركت مضيئةً، أن تنير الطريق أمام تجارب أخرى في القارّة. إلّا أنّ المؤسّسة العسكرية أطفأت تلك الشعلة، ليدخل الصومال مرحلة جديدة امتدّت عقدَيْن من الحكم العسكري، غلب عليها تركيز السلطة، وتراجع التعدّدية السياسية، وانحسار المجال الديمقراطي.
تختبر المرحلة المقبلة قدرة النُّخب السياسية الصومالية على تحويل الانتخابات إلى وسيلة لتجديد الشرعية السياسية وتوسيع المشاركة الشعبية
وهكذا، انتقل الصومال من تجربة مدنية واعدة إلى حكم عسكري أعاد رسم المشهد السياسي للدولة، قبل أن تدخل البلاد لاحقاً في مراحل أكثر تعقيداً، كان لكلّ منها أثر عميق في تشكيل مسار الدولة، وفي تحديد علاقتها بمفهوم السلطة والشرعية والتداول السياسي. ومن هنا، فإنّ قراءة التجربة السياسية الصومالية لا تستقيم بالنظر إلى محطّاتها منفصلة، وإنّما تقتضي تتبّع ذلك الخيط الممتدّ من ديمقراطية الاستقلال إلى الحكم العسكري، ثمّ إلى الانهيار، فإعادة بناء الدولة ومحاولات استعادة المسار الديمقراطي في سياقات وطنية وإقليمية بالغة التعقيد.
تحاول هذه المطالعة قراءة "ديناميات الانتقال الديمقراطي في الصومال" بالتوقّف عند أبرز المنعطفات التي شكّلت مسار التجربة السياسية في البلاد، واستجلاء التحوّلات التي طرأت عليها عبر مراحلها المختلفة. ولا تقتصر هذه القراءة على رصد تعاقب النظم السياسية، وإنّما تسعى إلى فهم العوامل التي دفعت مسار الديمقراطية إلى الأمام تارّةً، وأعاقته أو أعادت تشكيله تارّةً أخرى، بما يكشف طبيعة العلاقة بين التحوّلات السياسية وبنية الدولة، وتوازنات المجتمع، وإرث الصراعات التي طبعت التجربة الصومالية منذ الاستقلال.
من الحرب الأهلية إلى الديمقراطية التوافقية
أثبتت تجربة الحرب الأهلية التي اندلعت في الصومال عام 1991 أنّ الصراعات القبلية، مهما طال أمدها أو اتسعت رقعتها، لا تقود في نهاية المطاف إلّا إلى مزيد من الانقسام والتشظّي، وأنّ امتلاك القوّة العسكرية، عدداً وعتاداً، لا يكفي لإخضاع الخصوم أو حسم الصراع لمصلحة طرف واحد. فطبيعة التركيبة الاجتماعية والسياسية للصومال جعلت من الصعب أن تتمكّن قبيلة، مهما بلغت قوّتها، من تحقيق انتصار نهائي على القبائل الأخرى، الأمر الذي دفع بعض منظّري الصراعات إلى توصيف الحالة الصومالية ضمن معادلة "لا غالب ولا مغلوب، فيُستنزف الجميع من دون أن يمتلك أيّ طرف القدرة على فرض إرادته بصورة نهائية.
وبعد نحو عقد من الصراع بين عامي 1991 و2000، بدأت النُّخب السياسية والاجتماعية الصومالية تدرك، بعد كلفة بشرية وسياسية باهظة، أنّ استمرار الاحتراب لن يُفضي إلى منتصر حقيقي، وأنّ الصراع، وإن كان في جوهره متّصلاً بالتنافس على السلطة والموارد والنفوذ، قد تحوّل إلى دائرة من الاستنزاف المتبادَل، تُضعف الجميع وتؤجّل استعادة الدولة.
ومن هنا، أخذت تتبلور قناعة جديدة مفادها أنّ الخروج من حالة الصراع لا يمكن أن يكون عبر منطق الغلبة العسكرية، وإنّما عبر بناء توافق سياسي يتيح لمختلف المكوّنات المشاركة في إدارة الدولة وتقاسم السلطة بصورة تحول دون احتكارها من طرف واحد. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التحوّل الذي بدأ يتشكّل في نهاية عقد التسعينيّات بوصفه إرهاصاً لمسار يمكن تسميته بالديمقراطية التوافقية؛ أي البحث عن صيغة سياسية تقوم على إدارة التعدّد، وتوزيع السلطة، وبناء المؤسّسات، باعتبارها مدخلاً لاستعادة الدولة وترميم النسيج الوطني، لا مجرّد آلية لتسوية صراع عابر.
شكّل مؤتمر عرتة في جيبوتي عام 2000 منعطفاً مفصلياً في مسار إعادة بناء الدولة الصومالية، انتقل بجهود المصالحة من مجرّد إدارة الصراع إلى محاولة تأسيس إطار سياسي جديد للدولة
من "عرتة" إلى الفيدرالية
على الرغم من تعدّد مؤتمرات المصالحة التي احتضنتها عواصم إقليمية ودولية في محاولة لوضع حدّ للأزمة الصومالية المستعصية، فإنّ مؤتمر عرتة في جيبوتي عام 2000 شكّل منعطفاً مفصلياً في مسار إعادة بناء الدولة الصومالية؛ إذ نجح، إلى حدّ كبير، في الانتقال بجهود المصالحة من مجرّد إدارة الصراع إلى محاولة تأسيس إطار سياسي جديد للدولة. ومن رحم هذا المؤتمر وُلدت ملامح ما يمكن تسميته بالجمهورية الصومالية الثالثة، مع تشكيل حكومة شرعية حظيت بقبول نسبي، وانتُخبت وشُكّلت مؤسّساتها من خلال تمثيل أوسع لمكوّنات المجتمع الصومالي، بما في ذلك ممثّلو العشائر والمجتمع المدني.
وعلى الرغم من أنّ صيغة المحاصصة العشائرية التي اعتمدها المؤتمر تشبه، إلى حدّ كبير، الديمقراطية التوافقية لدى آرند ليبهارت، فإنّها لم تكن تعبيراً كاملاً عن الممارسة الديمقراطية بمفهومها المؤسّسي الحديث. ومع ذلك، فقد مثّلت، في سياق ذلك الزمن، آلية توافقية لإدارة مجتمع أنهكته سنوات الحرب والانقسام. فقد أتاحت هذه الصيغة قدراً من التوازن في توزيع السلطة، ووفّرت إطاراً سياسياً لتقاسم النفوذ بين المكوّنات الاجتماعية، بما ساهم في إيجاد مساحة من التوافق النسبي حول إدارة الشأن العام، وأرسى مبدأً عملياً، أنّ بناء الدولة في مجتمع ما بعد الحرب يبدأ أحياناً من الممكن والمتاح، لا من النموذج المثالي المجرّد.
ثمّ جاء مؤتمر إمبغاتي عام 2004 في نيروبي، برعاية الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، ليضيف طبقة جديدة إلى هذا المسار، من خلال إقرار النظام الفيدرالي بوصفه إطاراً لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم. وقد حمل هذا التحوّل دلالةً تتجاوز مجرّد إعادة توزيع الصلاحيات الإدارية؛ إذ عكس إدراكاً متنامياً بأنّ استقرار الدولة الصومالية يقتضي إيجاد صيغة تحول دون عودة احتكار السلطة في المركز، وتمنح الأقاليم مساحةً أوسع لإدارة شؤونها، ضمن دولة اتحادية تحفظ وحدة البلاد، وتوازن بين مقتضيات المركز وخصوصيات الأطراف.
وبذلك، يمكن النظر إلى كلّ من مؤتمري عرتة وإمبغاتي باعتبارهما محطّتَيْن متتاليتَيْن في مسار البحث الصومالي عن صيغة توافقية لإعادة بناء الدولة؛ الأولى أرست قاعدة المشاركة السياسية وتقاسم السلطة، والثانية دفعت باتجاه إعادة هندسة الدولة على أساس فيدرالي، في محاولة للانتقال من منطق الصراع على الدولة إلى منطق التوافق حول كيفية إدارتها.
أسهمت الصيغ المختلفة التي طُرحت لمسارات التسوية السياسية في الصومال، بدرجات متفاوتة، في تحسين البيئة السياسية والأمنية، ووفّرت أرضيةً مهمّةً لإعادة بناء مؤسّسات الدولة واستعادة حضورها بعد سنوات طويلة من الانهيار والصراع. غير أنّ التحدّي الأكثر عمقاً، من بين جملة التحدّيات التي واجهت الدولة الصومالية الناشئة، لم يكن محصوراً في مواجهة التنظيمات الراديكالية، أو التصدّي للقرصنة، أو معالجة الاختلالات الاقتصادية، أو ترميم مؤسّسات الدولة الهشّة؛ بل تمثّل في الانتقال من مجرّد إدارة التوافق السياسي إلى بناء ممارسة ديمقراطية راسخة وواضحة المعالم.
فالتحدّي الحقيقي لم يكن فقط في تنظيم الانتخابات بوصفها استحقاقاً إجرائياً، وإنّما في تأسيس منظومة سياسية تجعل من الانتخابات وسيلةً للتداول السلمي للسلطة، ومن التوافق جسراً إلى الديمقراطية لا بديلاً منها. ومن هنا، برزت الحاجة إلى تطوير الصيغ التوافقية التي حكمت المرحلة الانتقالية إلى مشروع ديمقراطي أكثر نضجاً، يقوم على توسيع المشاركة السياسية، وترسيخ الشرعية الانتخابية، وبناء المؤسّسات، وإرساء قواعد واضحة للمنافسة السياسية، فلا تظلّ الديمقراطية مجرّد آلية لتقاسم السلطة بين النُّخب، وإنّما تتحوّل إلى ثقافة سياسية ومؤسّسية راسخة في الدولة والمجتمع.
ولعلّ هذا التحوّل تحديداً يمثّل جوهر المعضلة الصومالية في مرحلة ما بعد إعادة بناء الدولة: كيف يمكن الانتقال من ديمقراطية التوافق إلى ديمقراطية التمثيل، ومن ترتيبات اقتسام السلطة إلى تداولها، ومن إدارة التعدّد إلى تحويله إلى مصدر للاستقرار السياسي؟
معضلة التمثيل غير المباشر
ثمّة نقطة مفصلية ينبغي التوقّف عندها في هذا السياق، أنّ الانتخابات غير المباشرة التي أفرزت الحكومات المتعاقبة منذ ميلاد الجمهورية الثالثة قامت، في جوهرها، على مؤسّسة السلطة التشريعية؛ إذ ظلّ انتخاب مجلس النواب يمثّل حجر الأساس في هندسة العملية السياسية، باعتبار أنّ النواب ينتخبون رئيس الجمهورية، ويمنحون الثقة لمجلس الوزراء وبرنامجه التنفيذي. ومن ثمّ، فإنّ فهم طبيعة التحوّل الديمقراطي في الصومال لا يكتمل من دون تفكيك الكيفية التي جرى بها اختيار أعضاء المؤسسة التشريعية نفسها.
وقد مرّ انتخاب النواب، منذ 2000، بمراحل متباينة عكست تطوّراً تدريجياً، وإن كان متعثّراً، في مفهوم التمثيل السياسي. ففي البدايات، كان اختيار النائب يتمّ عبر شيوخ العشائر، باعتبارهم ممثّلين للمكوّنات الاجتماعية في صيغة توافقية فرضتها ظروف ما بعد الحرب. ثمّ انتقلت العملية إلى مرحلة أصبح فيها النائب يُختار ضمن نطاق الدائرة العشائرية الضيّقة، قبل أن تتبلور، في الانتخابات غير المباشرة عام 2022، صيغة اتّسعت فيها، بصورة لافتة، سطوة رؤساء الولايات والأجهزة السياسية المحلّية على عملية الاختيار، حتّى بدت الانتخابات، في بعض جوانبها، أقرب إلى التعيين منها إلى الانتخاب بمعناه المُتعارَف عليه.
بقيت آليات إنتاج السلطة التشريعية أسيرةً، إلى حدّ كبير، للتوازنات العشائرية والنُّخب السياسية ومراكز النفوذ
وهكذا، يكشف مسار اختيار النواب مفارقةً جوهريةً في التجربة السياسية الصومالية: فبينما ظلّ الخطاب السياسي يتّجه تدريجياً نحو ترسيخ الديمقراطية والانتقال إلى نظام انتخابي أكثر تمثيلاً، بقيت آليات إنتاج السلطة التشريعية أسيرةً، إلى حدّ كبير، للتوازنات العشائرية والنُّخب السياسية ومراكز النفوذ. ولذلك، فإنّ التحدّي لم يكن في إجراء الانتخابات فحسب، وإنّما في تحرير العملية الانتخابية من منطق التعيين غير المباشر، وتحويلها إلى ممارسة ديمقراطية تمنح المواطن دوراً حقيقياً في اختيار من يمثّله وصياغة مستقبل بلاده.
لقد كشفت الشوائب التي رافقت عملية اختيار النواب في انتخابات عام 2022 حدود النموذج الانتخابي القائم آنذاك، وما انطوى عليه من اختلالات أضعفت الصلة بين إرادة الناخب ومخرجات العملية السياسية. ولذلك باتت مختلف الأطراف المعنية بالشأن الصومالي، سواء الحكومة أو المعارضة أو الفاعلون الدوليون الذين استثمروا سياسياً ومالياً في مسار بناء الدولة خلال العقود الماضية، أقلّ ميلاً إلى العودة إلى ذلك النموذج، باعتباره صيغة أفضت إلى انسداد سياسي لا يفتح أمام الصوماليين أفقاً حقيقياً للمشاركة في اختيار قياداتهم وصياغة مستقبلهم السياسي.
ولم تعد المسألة، في هذا السياق، مجرّد خلاف حول آلية انتخابية أو تفاصيل إجرائية، وإنّما أصبحت مرتبطةً بجوهر مشروع الانتقال الديمقراطي نفسه: هل تستطيع الصومال أن تتجاوز ترتيبات التمثيل غير المباشر، وتنتقل إلى نظام انتخابي يمنح المواطن صوتاً فعلياً في اختيار ممثّليه وقادته؟ ومن هنا، تبرز أهمّية المرحلة المقبلة، باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة النخب السياسية الصومالية على تحويل الانتخابات من أداة لإعادة إنتاج التوازنات القائمة إلى وسيلة لتجديد الشرعية السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية.
الاقتراع المباشر واختبار الشرعية
وفي هذا الإطار، تطرح الحكومة الصومالية الحالية، مع نهاية ولايتها الدستورية، نموذجاً انتخابياً يقوم على الاقتراع المباشر وعلى أساس حزبي، انطلاقاً من قاعدة أن تمكين المواطنين من اختيار ممثليهم في المؤسّسة التشريعية بصورة مباشرة يمكن أن يفتح أفقاً أوسع أمام ترسيخ مسار الانتقال الديمقراطي، ويمنح العملية السياسية شرعية أكثر اتصالاً بإرادة الناخبين. وقد شرعت الحكومة كذلك في اتخاذ خطوات لتنظيم انتخابات محلّية على مستوى الولايات والمقاطعات، وتحديداً في العاصمة وولايات جنوب غرب الصومال وغلمدغ وهيرشبيلي، باعتبار أنّ ذلك جزء من مسار أوسع لإعادة بناء الممارسة الانتخابية على قاعدة المشاركة الشعبية.
في المقابل، تعارض قوى سياسية من ولايتي بونتلاند وجوبالاند، إلى جانب المعارضة السياسية في مقديشو، هذا التوجّه، وترى أنّ الصيغة التي تطرحها الحكومة الفيدرالية لا تحظى بالتوافق السياسي والشعبي الكافي، وأنّ المضي فيها قدماً من دون اتفاق شامل قد يؤدّي إلى تعميق الاستقطاب بدلاً من أن يفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي مستدام. وهكذا، تتحوّل مسألة الانتخابات من خلاف حول الآليات والإجراءات إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي الصومالي الحالي، لأنها تمسّ بصورة مباشرة سؤال الشرعية ومصدر السلطة وحدود التوافق بين الفاعلين السياسيين.
تمسّ الانتخابات بصورة مباشرة سؤال الشرعية ومصدر السلطة وحدود التوافق بين الفاعلين السياسيين في الصومال
في خضمّ الخلافات المتصاعدة بشأن الانتخابات المقبلة وآليات تنظيمها وإدارتها، يبدو أنّ المزاج الشعبي قد بلغ مرحلةً من السأم تجاه النماذج السابقة في اختيار أعضاء البرلمان، لا سيّما تلك التي ابتعدت، في نظر قطاعات واسعة من المواطنين، عن مقتضيات العدالة وعن الإرادة الحقيقية للناخبين. ولعلّ هذا التراكم من التجارب هو ما يجعل مسألة انتقال حقّ اختيار النواب بصورة مباشرة إلى الشعب أكثر من مجرّد تعديل في آلية انتخابية؛ فهي تمثّل اختباراً حقيقياً لمدى جدّية الانتقال نحو ممارسة سياسية تستند إلى إرادة الجماهير. فالبرلمان، بوصفه العمود الفقري للمؤسّسة التشريعية وأحد أهمّ مكوّنات النظام السياسي، لا يمكن أن يكتسب شرعيته الكاملة إلا بقدر ما تعكس تركيبته الإرادة الشعبية التي أفرزته. ومن هنا، تبرز أهمية تمكين المواطنين من اختيار ممثّليهم بحرّية ونزاهة، بعيداً من الترتيبات المغلقة أو التوافقات التي قد تحجب الصوت الشعبي أو تحدّ من تأثيره.
خاتمة
الرهان الحقيقي في الانتخابات المقبلة ينبغي ألا ينحصر في كيفية الوصول إلى صناديق الاقتراع فحسب، بل في ضمان أن يكون صوت المواطن هو القوّة الحاسمة في تحديد من يمثّله. ويتطلّب ذلك بيئة انتخابية نزيهة وشفّافة، وإجراءات عادلة، ومشاركة فعلية وواسعة لمختلف فئات المجتمع، حتّى تصبح الانتخابات أداة لتجديد الشرعية السياسية، لا مجرّد آلية لإعادة إنتاج النُّخب نفسها. فحين يشعر المواطن أنّ صوته مؤثّر، وأنّ اختياره محترم، تتحوّل الانتخابات من مناسبة سياسية عابرة إلى مسار حقيقي لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع وترسيخ الممارسة الديمقراطية.
ومع استمرار الحوار بين الحكومة والمعارضة بحثاً عن صيغة توافقية تتيح تنظيم انتخابات عامّة يكون المواطن فيها محور العملية الانتخابية وصاحب كلمة الفصل في اختيار ممثّليه، تظلّ هناك حقيقة ينبغي ألّا تضيع وسط التجاذبات السياسية: إنّ جوهر الانتقال الديمقراطي لا يكمن في مجرّد إجراء الانتخابات، وإنّما في ضمان أن يكون للمواطن صوت حقيقي ومؤثّر في اختيار من يمثّله في البرلمان ومن يتولّى إدارة الدولة.
ومن ثمّ، الانتقال إلى انتخابات تمنح المواطن حقّ اختيار ممثّليه بصورة مباشرة ينبغي أن يُنظر إليه استحقاقاً ديمقراطياً لا ورقة تفاوضية. أمّا الخلاف حول شكل النظام الانتخابي وتفاصيله، فيمكن أن يكون موضوعاً للحوار والتوافق؛ لكن توسيع حقّ المواطنين في المشاركة السياسية، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، وبناء شرعية تستند إلى الإرادة الشعبية، ينبغي أن تظل في صميم أي مشروع جاد لإعادة تعريف الديمقراطية في الصومال.