حكمت المحكمة... في لبنان
كما في كلّ شيء في الدنيا، هناك إيجابيات وسلبيات تتفاوت وفقاً لمدى منطقية "الشيء"، لم يكن قانون العفو العام في لبنان، الذي أُقرّ الأربعاء الماضي، وقبله بيوم إلغاء عقوبة الإعدام، أمرين يُناقشان لو أنّ القانونَين انطلقا من أبعاد غير سياسية أوّلاً، وضمن دولة قوية تطبّق قوانينها ثانياً، ومن غياب المحسوبيات ثالثاً، ومن تغيير تقنيات وشوائب القوانين رابعاً. ولعلّ أهمّ إيجابيات القانونَين إنهاء حالات الظلم التي سادت، بضغوط سياسية أو لأسباب قانونية. ودائماً ما تكون هناك أمثلة لإعدامات وأحكام بالسجن وقعت خطأً، لا يكفي معها تعويض مالي مهما كان ثميناً. المشكلة في لبنان، سواء بوجود قوانين أو بإلغائها، أن قضاءنا مسيّس حتّى العظم. كم من محكمة مدنية وعسكرية حكمت بقرار سياسي على مجموعات وأفراد؟ وكم من مجرمين وقَتَلَة أُفرج عنهم، إن لم يُسجنوا في الأساس؟ كثيرون، ولا يُمكن تعداد أسمائهم في صفحة أو اثنتين. مشكلة لبنان في أنّه مهما بلغ تطوير القوانين، وحتّى الاقتداء بقوانين اسكندنافية، فإنّ الظلم باقٍ ما بقيت الذهنية السائدة في البلاد، والقضاء والأمن جزءان جوهريان فيها. السؤال اليوم ليس في مَن سيستفيد من إلغاء عقوبة الإعدام وقانون العفو العام، بل من سيُطبّق القوانين الموجودة في الحالات التي أصبحت قوانينها متساهلةً؟ من يضمن ألّا تدور دائرة العنف والدم و"أخذ الحقّ باليد" في قضية سابقة وربّما مستقبلية؟ من يستطيع القول إنّه سيُطبِّق القوانين لمنع الفلتان الأمني، فيما هو عاجز عن اعتقال مطلوب مدان غيابياً، إمّا لأسباب طائفية ومذهبية أو لأنّ المطلوب محسوب على حزب أو مرجعية دينية؟
من يضمن أنّ اللبنانيين بشكل عام، الذين اعتقدوا يوماً أنّ حكم القانون سيسود، لن يعمدوا إلى التحرّك الفردي، سواء باسم العشائرية أو العائلية، لأنّ أيّ حكم قضائي على أكبر جريمة متعمّدة سيكون متساهلاً قياساً إلى ما تفعله الدولة اللبنانية؟ يكفي أنّ أروقة قصور العدل اللبنانية، المركزية منها والفرعية، مليئة بأوراق ناقصة ومستندات مفقودة ووثائق ضائعة لأشخاص مطلوبين أو مظلومين، وكأنّ المكننة والأرشفة لم تصلا إليها (!). كذلك، فإنّه على الرغم من المجازر المالية كلّها التي حصلت في البلاد، وانفجرت بدءاً من عام 2019، لم تفعل الدولة شيئاً يُذكر سوى محاولة الاحتيال والتذاكي على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في قانون المصارف وغيره؟ لماذا إذاً يُفترض إقناع الناس بأنّ القوانين تُطبّق وأنّ اللجوء إلى القضاء كفيل بتحقيق العدالة؟ المسألة ليست متّصلة بنقص في العناصر البشرية أو بجودة القوانين وتعديلاتها، بل مرتبطة أكثر بمنطق واحد يسود لبنان: "أنا أعرف فلاناً". هذه العبارة السحرية تفكّ مشانق (لن تُنصب بعد اليوم)، على الأقلّ حتّى تعديل قانون الإعدام إذا تمّ. يريد المُشرِّع اللبناني كسب ثقة المجتمع الدولي بعناوين برّاقة، من دون أن ينال الناس أيّ حقّ. أليست جريمة؟
من السهل الانتقاد، لكن فعلياً لا يترك لبنان مجالاً لغير الانتقاد. إذا سألتم شخصاً في أيّ من شوارع لبنان عن القضاء، وعن احتمال نيل حقّه في قضية ما، فهو إمّا سيضحك، لأنّه فوق القانون، أو سيشتكي، لأنّه لا أحد يطبّق القانون. هذا كلّه في خانة، وسلوك بعض من يتبوأون أعلى المناصب القضائية في خانة أخرى. في لبنان، أن تكون حاكماً باسم القانون يجعلك فوقه، حتّى في سياق بسيط مثل "احتلال" مساحات من الأراضي موقفاً لسياراتك الجديدة والإضافية. كيف حصلت عليها؟ لا أحد يعلم، لكن ليس براتبك قطعاً. وإذا "تجرّأ" أحد وتحدّاك باسم القانون تردّ عليه: "أنا القانون". وطبعاً، القانون لا يسري على أقرباء الحاكم باسم القانون، مهما فعلوا. حقّاً، إنّ لبنان عصيّ على الإصلاح، لأنّ الإصلاح المنبثق من "الترقيع" لن يكون حلّاً أبداً، فأيّ إصلاح يقتضي تشكيل ذهنية جديدة، لا طيّ صفحة ورمي بعض الأشخاص في السجن، ثمّ "عفا الله عمّا مضى". ربّما من إيجابيات بروز الملفّ القانوني اللبناني في هذه الأيّام هو إدراك أكبر أنّه لا يحمي أمثالنا، بل مخصّص حصراً أداةً جوهريةً لمن يملك النفوذ، بالسلاح وبالمال وبالطائفية أو بكلّها معاً. غداً يوم آخر، وبعد عقد أو اثنين أو ثلاثة ستُستولَد قوانينٌ جديدةٌ ولن تُطبّق أخرى. إنّها بلاد العصابات، فهل تتوقّعون منها محاسبة نفسها أو أفرادها؟ ربّما نحن مثاليون أكثر ممّا نحن واقعيون، أو أنّ منطقية واقعيتنا لا تتناغم مع ذهنية لبنان.