حصر السلاح في الشرق
الاعتقاد بأنّ ثمّة "قناة" مخصّصة للتواصل بين سورية وحزب الله بمعزل عن الدولة اللبنانية، وبالطريقة نفسها التي تمّت فيها جميع أنواع الاتصالات بين دولة خارجية وطرف لبناني حزبي، ليس اعتقاداً خاطئاً بقدر ما يمكن إدراجه في حالة "الأوهام" بالحدّ الأدنى، أو في سياق "أحلام يقظة سياسية" بالحدّ الأقصى. ذلك أنّ أيّ تواصل بين دمشق الجديدة وحزب الله القديم لن يُفضي إلى العودة إلى ماضٍ كان نفوذ الحزب فيه طاغياً. سورية التي شدّدت على عدم التورّط في لبنان، على عكس ما حصل في عام 1976 حين نصح وزيرُ الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر، الرئيسَ السوري حافظ الأسد بالانخراط في الحرب اللبنانية (1975- 1990)، لا يمكن لها اليوم الوقوف إلى جانب حزب الله، في وقت شدّد فيه وزير خارجيتها أسعد الشيباني من تركيا على ضرورة حصر السلاح في سورية بيد الدولة. المنطق نفسه في دمشق وبيروت: حصر السلاح بيد الدولة مصلحة للدولة نفسها قبل أن يكون ترجمةً لضغوط سياسية وأمنية خارجية. لا يتعلّق الأمر بإعادة استيلاد المفاهيم السياسية نفسها التي أودت بلبنان إلى التهلكة، والمتمحورة حول تجاوز الدولة لمصلحة التواصل مع أطراف هي قوى أمر واقع. حتّى باسم "الواقعية السياسية"، لا يُمكن لمثل هذا الوضع الاستمرار، وستعود الحروب إلى إنتاج نفسها ضمن دائرة مغلقة من الدم.
بالنسبة إلى السوريين، فكرة "دمج الجناح العسكري لحزب الله في الدولة اللبنانية" أمر دونه عقبات. المسألة لا تشبه حتّى عملية دمج 20 ألف عنصر من مقاتلي المليشيات اللبنانية بعد الحرب اللبنانية، لأنّها أفرزت جزراً أمنية داخل المؤسّسات، مع نقل صراع الشوارع إلى قلب البنى الدولتية. احتاج الأمر إلى وقتٍ كثير لإحالة هؤلاء على التقاعد وخروجهم من الأسلاك الأمنية، لكنّ نفوذهم تمدّد في قلب تلك المؤسّسات، ما جعلها مطيّةً للمحسوبيات وللتوسّط من أجل قبول شخص فيها. وساهم ضعف القرار السياسي في منح القوى الأمنية الأوامر لحسم ملفّات عدّة تتعلق بما تعرّضت له البلاد طوال العقدَين الماضيَين في تمكين نفوذ الأحزاب والأطراف السياسية داخل الجيش وباقي القوى الأمنية. لذلك، فإنّ مسألة دمج عناصر حزب الله في القوى الأمنية، مع صعوبة حصول هذا لأسباب عقائدية تتجاوز الوطن اللبناني، ستطرح مسائلَ جوهريةً وثانويةً، ومنها مدى تقبّل هذه العناصر أوامر من هم أعلى رتبةً منهم في المؤسّسات الأمنية الشرعية. مع ذلك، الأمر يستحقّ المحاولة، لأنّ البدائل محدودة مثل بقاء تلك العناصر عاطلةً من العمل، أو مدمّرةً في حال تمسّكهم بسلاحٍ خارج إطار الدولة.
مع هذا، لا يبدو أنّ مسألة حصر السلاح ستنتهي قريباً. وفي العراق، يمكن تجاهل جدّية حكومة علي الزيدي في تطبيق قرار حصر السلاح، رغم صعوبته وتعدّد الأطراف المعارضة للقرار وقوّتها. الأوضاع في بغداد أكثر ميلاً إلى صدام يلوح في الأفق بين الحكومة والفصائل الرافضة لتسليم السلاح. مع العلم أنّ الزيدي يكتسب دعماً متزايداً من أطراف وشخصيات عراقية مؤيّدة لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة. مع ذلك، فإنّ عشرة آلاف عنصر في بغداد قادرون على إشعال حرب مدمّرة. والمبدأ نفسه ينطبق على لبنان.
ما تفعله سورية في موضوع حزب الله هو السعي إلى الهدف نفسه الذي تريده جميع الحكومات المركزية في الشرق الأوسط: سلطة واحدة وجيش واحد. غير ذلك دمار لا يمكن تصوّره، على الصعيدين، البشري والمادي، وعلى الصعيد المجتمعي. في لبنان، أدّى تفلّت السلاح إلى نشوء حالة من الاضطراب الاجتماعي لن تتحسّن إلّا بعد جيل وأكثر، إذا ما بدأت الدولة فرض سلطتها اليوم. بعضنا تجاوزه الزمن، وبعضنا الآخر ما زال فتيّاً، لكنّ بلدان المشرق تستحقّ أن تشهد قيام دولة واحدة، لا مجموعات مترابطة عسكرياً وسياسياً باسم الدين. أبجديات كلّ شيء يتمحور حول أنّ لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة. لدى الجميع ما يكفي من الإيجابيات لتسخيرها في خدمة الدولة القومية، لا لاستغلال مواردها من أجل دولة أخرى أو لهدف ديني. مخطئ من يعتقد أنّ "الواقعية السياسية" وفق الطراز القديم ستبقى سائدةً في الفترة المقبلة. اليوم، أصبحت تلك الواقعية تساوي الدولة المركزية لا أكثر، وأيّ نقاش إداري جغرافي داخلي يُناقش ضمن كلّ دولة، لا خارجها ولا عبر الاستعانة بأيّ طرف خارجي. في النهاية، مسألة حصر السلاح ليست تحدّياً، بل خطوة أولى لبناء دول سليمة.