حرب وفانتازيا وكوابيس
(ألفريدو سانتيليان)
تلبيةً لأوامر طبيبها النفسي بضرورة تحرير مشاعرها المكبوتة، قرّرت المرأة الضجرة مشاهدة ما تيسّر من أفلام الرعب، رغبةً منها في تحفيز هرمون الأدرينالين في جسدها الخامل. قرأتْ مرّةً أنّه يعمل في زيادة ضربات القلب وتحسين قوّة انقباضه وتفعيل الطاقة، فينشّط الجسد فورياً، كما يُستخدم إجراءً إنقاذياً في حالات طبّية حرجة. وقد ينتج منه شعور بالهلع أو القلق، فتتّسع حدقات العين، وتركض الدماء في العروق، ما يؤكّد أنّها ما زالت في قيد هذه الحياة البائسة الخالية من أسباب البهجة ومبرّرات الأمل.
فكّرت بمعالجة قلبها المقبوض على الدوام باستدراج الأدرينالين عنوة، لعلّها تتخلّص من حالة التبلّد التي سيطرت على حوّاسها منذ زمن طويل، وعلى البرود القاتل الذي طغى على مشاعرها معطّلاً قدرتها على الانفعال. قالت لطبيبها ذات جلسة كلّفتها مبلغاً طائلاً من دون أيّ فائدة: "لا شيء في الكون يفرحني أو يسعدني أو يخيفني أو يبكيني أو يقلقني، ولا حتى يثير فضولي. موات مطلق يا دكتور، وقد تلاشت الأحاسيس الإنسانية كافّة في داخلي كأن لم يكن لها وجود أصلاً. لم يعد هناك أيّ من الشغف أو القلق أو الرغبة في الإنجاز. لا يهزّني صوت الصواريخ وصفّارات الإنذار، ولا تشدّني متابعة التطوّرات المتسارعة عبر البثّ الحي لقناة الجزيرة. أسخر ممَّن يخزّنون البنزين في البراميل وكمّيات المعلبات والبقول والأدوية في الخزائن، ولا يثير غضبي جشع التجّار، ولا أتأثّر بارتفاع أسعار البندورة والشمع ونفاد كمّيات المصابيح الزجاجية، ولا يأخذني الحنين حين أشاهد صور بابور الكاز المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي يروّج لها تجّار يعتاشون من قلق الناس من غياب الكهرباء. لا أشعر بالاشمئزاز حين أقرأ الردح واللغة الهابطة المتبادلة بين جهلاء يكشفون إقليميةً وطائفيةً بغيضتين تحت عنوان حبّ الوطن، وبين أفراد أكثر جهلاً يتوهّمون خلاصاً وتحرّراً على يد أعداء أوغلوا في دماء شعوبنا. ولم أُصدَم بأحبّة خذلوني في لحظات الضيق لأكتشف مدى وحدتي وغربتي عن المجموع. اكتفيت بالصمت والابتعاد نأياً عمّا يؤذيني، لم أفكّر حتى في العتاب، لأنّه فعل عبثي لا يؤدّي إلّا إلى مزيد من خيبة الأمل".
المرأة التي نصحها الطبيب بتحفيز مشاعرها بحثت طويلاً عن أكثر الأفلام إثارة للرعب. ولحُسن الطالع، كان الجوّ عاصفاً في الخارج، أصوات برق ورعد وأمطار غزيرة وسيول جارفة. جلست في العتمة مكتفيةً بإنارة الشاشة، اختارت باقةً من الأفلام التي لا يُنصح بها لأصحاب القلوب الضعيفة: أرواح هائمة، أشباح تزمجر بلا سبب واضح، جثث تخرج من بطن القبور، مصاصو دماء يغرسون أنيابهم في أعناق البشر ويتلذّذون بمذاق الدم، ساحرات بأنوف معكوفة وشعور منكوشة وقهقهات شريرة يمتطين المكانس ويتوعَّدن الأميرات الجميلات بالنوم الأبدي، ريح عاتية تزمجر وتعصف بشدّة، وتقتلع الأشجار من جذورها، بحار هائجة تقلّب أمواجها الثائرة السفن وتلتهم البحّارة، ذئاب تعوي في الخلفية، بكاء رضّع متروكين في العراء، استغاثة نساء مختطفات على يد ملثّمين يردّدون هتافات غريبة، مهرّجو سيرك يحملون سمّاعات ضخمة ويحثّون الناس على الهرب من دون أن يحدّدوا جهةً آمنة، وحوش ضارية تفتك بكلّ ما حولها، جحافل جيوش خارجة من كتب التاريخ، تصهل الخيول وتلمع السيوف التي يقطر من حوافها الدم أحمر نقياً.
وفي واقع الأمر، كان أكثر المشاهد إثارة للرعب امرأةً وحيدة، ملامحها محايدة، تجلس قبالة الشاشة في ليلة ماطرة، تمسك شاردةً بـ"ريموت كونترول"، عاجزةً بالمطلق عن التعبير، غير منتبهة لدويّ الانفجارات التي وصلت عتبة بيتها.