حاجةٌ إلى أن نقاوم

02 سبتمبر 2026

(Getty)

من الوجوه الجديدة لليمين المتطرّف التي تجتاح العالم، وصولاً إلى الخطابات السياسية السيليكونية المتزيّنة بكماليات الحداثة والأمن والكفاءة والتطوّر والتكنولوجيا، والتي ليست، جوهرياً، إلا خدمةً لأنظمة استعمارية جديدة، نشهد اليوم دروس التاريخ القاسية والمتكرّرة، نشهد اليوم خيانة جوهر فكرة الاستقلال والأوطان والإنسان الحر. وتتجسد هذه الخيانات في أمور كثيرة: في قبول الإبادات الجماعية على تنوعها، بدءاً الإبادة الجماعية من غزة، وفي إضفاء الشرعيات على احتلال الأراضي، وفي تبرير الحروب والعدوان، وفي تسويغ الهروب من الأوطان وتبريرها باسم الهجرات، وفي توثيق العلاقات مع القوى الإمبريالية المحتلة ومع من يسفك الدم وينهب الثروات ويدمّر الذاكرة، وفي تدمير شعوب وتهجيرها وسلب مواردها، وفي خرق القوانين الدولية، وإثارة الفتن، وتعميم لغة الطائفية، وترسيخ ثقافة العنف، وتعميم الثقافة الاستهلاكية، وتكريس الحروب الكونية والمتواصلة، واحتكار الحقيقة بوصفها سلعة من بين السلع، وتحويل كل شيء إلى حربة في يد السلطة أو النظام الحاكم. يتحوّل هذا العالم إلى سجن كبير. وما نعيشه ليس تغيّراً في الاتجاه السياسي. إنّه إهانة مباشرة ومدروسة للإرث التاريخي لنضال الأحرار ضدّ كل أشكال الطغيان الداخلي، وضدّ أنواع الاستعمار كلّها؛ خصوصاً هذا الاستعمار الجديد الذي يرسم خرائطنا التي نعيشُ فيها، ويقسّمها، ويوزعها علينا كيفما يشاء ومتى يشاء. وليس هذا السجن خارجياً فقط. نحن أيضاً سجناء الداخل. سجناء أوطاننا، وسلطاتنا، وأنظمتنا، التي خانتنا، وغاصت في صدورنا كالخناجر، غاصت في صدر الاستقلال، والحرية، والكرامة الإنسانية، ووضعت في داخل كل منا عدواً نحاربه. وهكذا صار هذا العدو الداخلي أخطر وأكثر فتكاً من العدو الخارجي. وصرنا باسم الحرية، والثورة، والاستقلال، والعدالة، ندمّر أنفسنا، ونفتك بذواتنا، ونقتل الأخ، والابن، والأب، والصديق، والجار، جهلاً أو علماً، من أجل الخبز أو من أجل الماء، من أجل الضوء أو من أجل الهواء.

إنه المشهد الأخير من حضورنا. المشهد الأخير من موتنا شعوباً. والكل مستعدٌ كي يسدل الستار علينا، الكل يهيئ اللمسة الأخيرة من أجل موتنا. فماذا نفعل؟ هل نواصل النوم والنهوض والشراب والطعام؟ هل نتابع الهرب؟ هل نستسلم لمشهد زوالنا؟ وهل نستمر في خيانة أنفسنا صمماً وخرساً؟ هل نستسلم لهذا كله ونقول لحناجرنا أن تصمت أو أن تختنق غمغمةً؟

المقاومة هي الشيء الوحيد الذي يثبت أن الحياة الصحيحة ممكنة. وهي الوحيدة القادرة أن تعطي للإنسان العربي وجهاً يقترن بالشمس

ثمة حاجة كبيرة إلى المقاومة. ولا أقصد هنا مقاومة السلاح فحسب، التي هي ضرورة وجودية وحقٌّ شرعيٌّ وقانوني أمام أي احتلال خارجي غاشم يسلب الأراضي ويقتل الأطفال والنساء والأبرياء. أقصد أيضاً المقاومة الواعية التي تعيدُ النظر في كلّ شيء. وكل شيء في عالمنا العربي لإعادة النظر. أقصد المقاومة التي تغيّر إطارنا الذهني وتغلّبنا على مخاوفنا وعلى ما جعلنا نفقد العادة على مواجهة المخاطر والأسئلة، وهو نفسه ما جعلنا نفقد العادة على الحياة.

حقاً، تحوّل عالمنا إلى سجن كبير، وثمة حاجة كبيرة إلى المقاومة، ومهمة الأحرار في هذا العالم هي تقويض جدران هذا السجن الكبير، وهدمها، ومن أجل ذلك لا بدَّ من المقاومة، والمقاومة هنا ابتكار. إنّها ابتكارٌ للحرية، وكلُّ حرية هي مخاطرة، والمبدعون والمقاومون والمفكّرون الأحرار يجب أن يكونوا المحاربين الأوائل الذين يخاطرون ويحاربون المؤسّسات والأنظمة وطرائق التفكير السائدة، يجب أن يكونوا المقاومين الأوائل ضد أشكال الطغيان السائدة. والمقاومة التي نحتاج إليها يجب أن تتجاوز السياسة والاقتصاد وصولاً إلى البُنى الأساسية للحياة، خصوصا حياتنا العربية السائدة، يجب أن تصل إلى عمق الأعماق النفسية والعقلية والاجتماعية والدينية والثقافية فيها. لقد صار ضرورياً تغيير إنساننا العربي من الداخل. والمقاومة لن تكون فعّالة ومغيّرة إن لم تغير هذا الداخل. المقاومة عمق وتأسيس. هي تدشين لحياة جديدة ولعالم جديد. إنها خيار صعب، لا سيما أنَّ كلاً منا من حوله حرب عليه. حرب تلاحقه منذ الولادة حتى الموت. حرب ثقافية واجتماعية ودينية ونفسية وسياسية. فإما أن نمضي حياتنا في هذه الحرب- الموت، وإما أن نقاوم. والمقاومة هنا تحتاج إلى وعي عميق وشقيّ. فإما أن نستأصل ما يسلبُنا الحياة وإما أن نُستأصل. والمقاومة هي الشيء الوحيد الذي يثبت أن الحياة الصحيحة ممكنة. وهي الوحيدة القادرة أن تعطي للإنسان العربي وجهاً يقترن بالشمس.

جعفر العلوني
جعفر العلوني
شاعر وصحافي سوري مقيم في إسبانيا. مراسل موقع وصحيفة "العربي الجديد" في إسبانيا.