المشهد السياسي الإسرائيلي في عام انتخابات
أنهى الكنيست الإسرائيلي في نهاية الشهر الفائت (مارس/ آذار) دورته الشتوية، بعد أن أفلح في إقرار الميزانية العامة لعام 2026، مع مراعاة القانون المتعلّق بذلك وينصّ على وجوب تمريرها خلال مهلة قانونية لا تتعدّى يوم 31 مارس/ آذار من كلّ عام، ويتسبب الفشل في ذلك بحلّ الكنيست تلقائياً والذهاب إلى انتخابات جديدة، وبذا ضَمن أن تُجرى الانتخابات الإسرائيلية العامة في موعدها القانوني، في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، للمرّة الأولى منذ نحو أربعة عقود.
وما يثبته هذا المستجدّ أنّ ائتلاف حكومة بنيامين نتنياهو الحالية متماسك إلى أبعد الحدود. ولا بُدّ من إضافة أنّ المشهد السياسي والحزبي في إسرائيل برمّته ما زال خاضعاً، بدرجة حاسمة، إلى تداعيات الحرب على قطاع غزّة وامتداداتها في جبهات أخرى، حتى بعد اتفاقات وقف إطلاق النار، كما أنّ حالة الحرب التي تصاعدت عبر شنّ العدوان على إيران مع الولايات المتحدة وتجدّد الحرب المكثَّفة على لبنان، ما زالت العامل الأبرز في نظم الحياة السياسية والحزبية الإسرائيلية، والمُحدّد المركزي لتموضعات الحكومة والمعارضة، ولمحاور النقاش العام وحدود الاختلاف داخل المنظومة السياسية.
وبالرغم من أنّ أحزاب المعارضة الإسرائيلية توجّه انتقادات إلى الحكومة، فإنّ هذه الانتقادات ما زالت، في معظمها، محصورةً في مستوى إدارة الحرب وأدائها وكلفتها فقط، ولا تنمّ عن موقف يعارض الحرب نفسها، أو يطرح تسويات سياسية. كما أنّ الحكومة الإسرائيلية لم تطرح إلى الآن أيّ خطّة سياسية لما يسمّى "اليوم التالي" للحرب على قطاع غزّة، ما يعكس تمسّكها بخيار القوة، لا بوصفه أداة عسكرية وأمنية حيال القطاع فقط، بل أيضاً آليةً سياسيةً داخليةً ترتبط ببنية الائتلاف الحاكم وحسابات البقاء الشخصي لرئيس الحكومة.
ما ينبغي الالتفات إليه مع انطلاق عام الانتخابات العامّة في إسرائيل: أغلب التقديرات السياسية والحزبية في إسرائيل معلّقة، إلى حدّ كبير، على الولاية الحالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظلّ توقّعات واسعة داخل أوساط اليمين الإسرائيلي بأن توفّر هذه الإدارة فرصاً أكبر لدفع أجنداته، ولا سيّما فيما يتعلّق بإيران والضفة الغربية. وطُرحت رهانات واضحة على إمكان توظيف التحوّل في واشنطن للدفع قدماً بمشاريع اليمين الإسرائيلي، وفي مقدّمها مشروع ضمّ الضفة الغربية. في المقابل، تؤكّد تقديرات إسرائيلية مضادة أنّ طريقة تدخّل ترامب في مسار وقف الحرب في غزّة، والضغوط التي مارسها على مختلف الأطراف، بما في ذلك على نتنياهو، من شأنها إظهار أنّ سقف التوقّعات الإسرائيلية من الإدارة الأميركية الجديدة قد لا يكون مفتوحاً على النحو الذي راهن عليه اليمين، وأنّ العلاقة الوثيقة مع واشنطن لا تعني، بالضرورة، منح إسرائيل تفويضاً غير محدود لإدارة سياساتها الإقليمية وحيال القضية الفلسطينية من دون قيود أو حسابات.
بالإضافة إلى ذلك، تمثّل التطوّرات الناجمة عن الحرب الممتدّة منذ "7 أكتوبر" (2023) محطّةً إضافيةً في مسار ترسّخ اليمين وتحوّله إلى القوة المهيمنة التي يتحرّك في ظلّها معظم الفاعلين السياسيين في إسرائيل. وليس مبالغة القول إنّ الانقسام الحزبي الإسرائيلي لا يدور، في الجوهر، بين مشروعَين متعارضَين، بقدر ما يدور ضمن حيّز سياسي مضبوط إلى حدّ بعيد بسقف اليمين وبأولوياته السياسية والأيديولوجية. وهذا التحوّل لا يرتبط فقط بـ"طوفان الأقصى" والحرب التي أعقبته وتداعياتها، بل يستند أيضاً إلى متغيّرات اجتماعية وديموغرافية متراكمة أسهمت، على ما يبدو، في إعادة إنتاج ميزان قوى يميني يصعب خلخلته انتخابياً. ويعني ذلك، من باب أوليّ، أنّ الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، المتوقّع عقدها في خريف 2026، لن تكون مواجهة بين اليمين وخصومه، بل ستكون بمثابة صراع داخلي تحت سقفه، بين تيار أقصى اليمين الذي يقوده نتنياهو، وتيار يمين - وسط يقوده حتى الآن رئيس الحكومة السابق نفتالي بينت، ويجتمع أقطابه أساساً حول هدف معارضة نتنياهو أكثر ممّا حول مشروع سياسي أو أيديولوجي بديل.