الكاتب بعد موت الساحر وهروب الثعابين
(ثامر الماجري)
الكاتب وحيدٌ ومسكينٌ وشقيٌّ وعنيدٌ، ولا يجد ما يؤنسه في العالم سوى نفسه، وبعض شغفٍ قديمٍ ارتبط به وراثياً بالمحبّة أو بالصداقة، أو بأصالة الكتب، أو بأنَّه، في آخر العمر، سيجد طريقاً، أو شجرةً، أو كنزاً. هو مسكين يحدث أوراقه عن ذلك الكنز الغامض الذي يراه أحياناً في الجبل، وبعد يومين تُشقُّ في الجبل سكّةُ حديد، أو ذلك الطريق الذي يشبه السحر فوق الجبل، أو أيَّ شيءٍ آخر؛ فيعود إلى الحبيبة فيجدها قد هاجرت إلى "مدينة جدّة"، وتزوّجت صاحب دكّانٍ للبخور. فيذهب إلى سمرقند، فيضيع منه جواز السفر أو يأخذه اللصوص، فيعود إلى اليمن الجنوبي بتذكرةٍ (عطفاً) من تاجر أقمشة يمني.
الكاتب مسكينٌ يسعى، ورغم ذلك يحبّ رحلته، ولا يشكّ فيها أبداً. هو كذلك نبت في الصخر كنخلة، أو كشجرة تين، أو كأعجوبةٍ في جزيرةٍ حائرة. من قال للكاتب إن تلك صنعته، وتلك نهايته، وذلك هو نعيمه؟ فهل يعرف الكاتب، ذلك الشقي، نعيمَه من عذابه؟ ولكنّه يمشي هناك من بلدٍ إلى بلدٍ على أمل أن يلقي بعصاه فينشقَّ له البحر، أو يكون له أحبةٌ تشتري كتبه من هنا أو هناك، أو أن هناك ذلك الشخص الغامض الذي يعرفه حتى وإن كان في قعر العالم. هو كشخصٍ أميٍّ، يمشي في حديقةٍ للمرّة الأولى، ويرى الزهر للمرّة الأولى، على أمل أن يسمع ذلك الغناء الذي اشتاقه ولم يسمعه قَطّ.
أمّه هي الوحيدة التي تعرف أمله وتعرف شغفه، ولكنّها يصعب عليها حاله، فتشتري من كتاكيتها الأحبارَ والأوراقَ. وهو هناك تحت نخلة، وهو هناك يأخذ الرواية من فم كفيفٍ بالقرب من نار الشتاء، والقمر هناك سهران في الجبل. ما الذي رآه الكاتب في تلك الليلة حينما خرجت الفتاة وفي يدها المصباح من الخيمة؟ فتناول الكاتب المصباح من يد الصبية، والصبية لعلّها ابتسمت للنور، ولكن الكاتب رأى في تلك الابتسامة كامل الدنيا. ومن ساعتها والكاتب في حيرة، حتى بعدما ماتت الصبية في خيمة والدها الراوي الكفيف بالحُمّى.
لا يملك الكاتب الآن سوى الكلمات، والكلمات قد باتت فقيرةً: لا ينتحر من أجلها القمر، ولا الفرعون يتنازل عن حصّته في منجم الذهب، ولا الراقصة تتنازل عن نسبتها في عائد حفلة رأس السنة، ولا الناقد يضمن له ذلك المكان في الجنّة، ولا الكتبة في ديوان الخليفة قد أفسحوا له مكاناً مريحاً في المجلس. هو دائماً على قلق، حتى وإن لم تكن الريح تحته. هو هكذا يتأمّل الدنيا من بعيد، وكأن هناك ذلك الشيء الناقص منها، وهذا النقصان هو وحده الكفيل بإتمامها على أكمل وجه.
الكاتب قد صار هناك يلهث، وسيظلّ يلهث. ماذا يريد الكاتب بعدما انفضّ الحفل وعادت القرود إلى أصحابها من المساكين؟ وجيوش الإسكندر هي الأخرى تعبت، أو هلكت في الطرقات ما بين الحروب. وحتى الفتوحات طُويت واندثرت خرائطها، والبلدات قُسّمت وانتهى أمرها، وتُرجمت الأناجيل كلّها.
هو هناك كذلك الشيء المركون في زاويةٍ أخيرة من العالم، ويحاول جاهداً أن يكتبه، كي يبرّر وجوده بالكلمات التي تطلب أن تصل إلى نهايتها. شيءٌ هناك عالقٌ بقعر الكون ذلك الصاخب، يشبه ذلك الأمل الذي كان عالقاً بخيال ذلك الراوي الأعمى الذي ماتت ابنته وكفّنها بيديه في الخيمة. لعلّ الأمل وحده هو الذي يطيل عمره، ويجعل الكاتب يقف هناك منتظراً.
هناك سيول، وأحياناً تكون الزلازل والبراكين، والحروب تحدث كل يوم، والانقلابات أيضاً فوق أصابع الضباط عددَ سنابل القمح في كل شهور السنة. إلا أن الكاتب يبحث هناك في ركام الآثار عن ذلك التمثال المسروق؛ تمثالٌ في الحلم كان، ويقف على مدخل مدينةٍ غامضة، وكل بناتها من الحسان، وكل البنات يعرفن الغناء. وهو الوحيد الغريب عن البلدة، وهو الوحيد المشتاق للغناء، رغم أنه لا يعرف لغة تلك البلدة، ولا يعرف سرّ جمال بناتها. ولكن بناتها في الحلم يتولّين فكّ رموز الغناء، والأزهار أيضاً. والكاتب يلمّ الأزهار، ولكن أسوار تلك البلدة كأنّها بعيدة، وكأنّها عدوة، رغم أن البنات على مقربة منه. وكأن نخيلهن هو نخيل بلدته، وكأنّ شرفاتهن هي شرفات بلدته. وكأنّها سعاد، وكأنّها هناء، وكأنّها فاطمة بعدما وشمت ذقنها. وقد جاءت كل واحدة منهن بابتسامتها وأعطتها لفتاةٍ من تلك البلدة تشبهها تماماً، ولكنّها ليست هي.
ويظلّ الكاتب هناك يتأملّ في تلك البلدة من دون أن يعرف أبداً أن يفكّ أسرارها، ولا حتى أسرار حلمه، ولا أسرار شوقه. فقط يعرف أن العالم قد خُلق من أجل أن يكتب أحلامه، ويرتبها في أوراق، على أمل أن يأتي العيد بعد يومٍ أو سنة، ويصنع من تلك الأوراق سفينةً تليق فقط بروحه؛ سفينة كتلك التي صنعها النبي نوح قبل الطوفان.