"العربي الجديد" بَلَغتْ الثانية عشرة ونحن إلى السبعين

02 سبتمبر 2026

(1)

الرقم 12 سحري ورياضي وديني، متشعّب الأبعاد، وبات رمزاً لعقائد إيمانية وغنوصية كثيرة. فعدد شهور السنة 12، وبروج دائرة الزودياك 12، وأئمة الشيعة 12، وآلهة جبل الأوليمب 12 تحت إمرة زوس. وملحمة جلجامش نُقشت بالخطّ المسماري على 12 لوحاً طينياً، ونفّذ هرقل 12 عملاً جبّاراً ليحصل على الخلود، وأسباط بني يعقوب (إسرائيل) 12 سبطاً، وفي الكتاب المقدّس العبري مجموعةُ الأنبياء الصغار الاثني عشر. وأتى الوحي إلى ماني وهو في الثانية عشرة، وخلق براهما (الرب الخالق) 12 إلهاً ليساعدوه في خلق الكون، وخلق الرب آدمَ على 12 مرحلة من جمع التراب حتّى الطرد من الجنّة. وعلى هذا المنوال، فإنّ رُسُل المسيح 12، وأعياد المسيحيين 12 عيداً، والرؤى السماوية التي رآها يوحنا 12 رؤيا. وكلّ حزمة مؤلّفة من 12 وحدة متشابهة تدعى "دستة" بالفارسية، و"دزينة" باللاتينية (Douzaine بالفرنسية وDozen بالإنكليزية). وعلى خُطا أجدادنا الإغريق وجيراننا الهنود، ها نحن نحتفي ببلوغ "العربي الجديد" 12 عاماً.

لقد تصرّمت دزينة من السنوات منذ ظهر العدد الأوّل لصحيفة العربي الجديد في 2/9/2014، كأنّنا لاهون عن دوران الزمن، غارقون في تفصيلاته التي لا يدرك أسبابها ومآلاتها إلّا الحكماء والفلاسفة. أمّا ما أدركناه مبكّراً، وبفرح غامر، أنّ تلك الصحيفة كانت مرصودةً منذ بداياتها لتشهد على هذه الحقبة بجميع آلامها وأحلامها وتفاعلاتها وانقلاباتها وتغيّراتها وإنجازاتها وهزائمها. ولعلّنا أدركنا، في الوقت نفسه، كم أنّ حياتنا تركض مسرعةً ونحن ذاهلون عمّا تفعله بنا السنون. ومع هذا كانت "العربي الجديد" مرآتنا طوال تلك الفترة المنصرمة.

كانت البدايات كانت مع الدكتور عزمي بشارة؛ تلك كانت فكرته وجمرته وإحدى ثمراته. وكثيراً ما اعتقدتُ أنّ مشروع تأسيس صحيفة يومية يحتاج سنوات من الإعداد والدراسة والتأنّي والصبر وحرق الأعصاب، ولم أكن أتخيّل أنّ ذلك كلّه سيتحقّق في فترة وجيزة. وسرعان ما اكتشفتُ أنّ مشروع الصحيفة اليومية كان مرسوماً بدقّة، ومُصمّماً بعناية في رأس عزمي بشارة. وهكذا تكوكبت مجموعة من الصحافيين والكُتّاب والمثقّفين حول هذه المغامرة التي لا يخوض غمارها وأملاحها إلّا الربابنة.

كانت فلسطين حبّة القلب في "العربي الجديد"، بل قلبها الذي يضخّ الأمل إلى هذه الأمّة

كانت "العربي الجديد" مغامرةً ممتعةً حقّاً، لأنّها شكّلت تحدّياً للأحوال المتدهورة للصحافة العربية، وظهرت في خضمّ التحوّلات الهائلة التي عصفت بالعالم العربي (احتجاجات تونس ومصر وسورية والسودان). والآن، أتذكّر اجتماعاتنا في الدوحة: معن البيّاري الآتي من الشارقة، وأمجد ناصر القادم من لندن، وبشير البكر المترحل من باريس إلى بيروت فإلى أبوظبي، وأنا المنهمك في إصدار "ملحق فلسطين" في "السفير" البيروتية. كان معن البياري صحافياً وكاتباً متحفّزاً دائماً، وذا تجربة في الصحافة العربية. أمّا مقالاته في صحيفتي "الخليج" و"الحياة" وغيرهما، فكثيراً ما اعتُبرت متميّزة ومختلفة لأنّها تتضمّن الموقف اللامع والفكرة الثاقبة والثقافة الأنيقة ومقادير من الفنون الجميلة والذكريات. وكان الراحل أمجد ناصر يطمح إلى تأسيس مجلّة أدبية على غرار مجلّة الكرمل. أمّا بشير البكر فكان يتطلّع إلى تأسيس مركز ومجلّة في باريس متخصّصَين بالمهاجرين العرب في أوروبا، وكان مستعدّاً لإدارة ظهره لمجلّة "الشعر" التي كان يدير تحريرها في أبوظبي. وانضمّ إلينا في لجج الحوارات والمشاورات الصاخبة في فندق ريتز – كارلتون صديقنا أنس أزرق، المُقبل من أبوظبي. وعلى عتبات ذلك التوق المتأنّق ذابت التطلّعات الشخصية لتندغم كلّها في مشروع واحد هو "العربي الجديد" التي لم تمضِ غير أسابيع حتّى اكتمل بنيانها وتفصيلها ورسمها وكسمها، وراحت تصدر يومياً مزيّنة بالعصفور ذي الألوان الأربعة. وكان من صنائعها الجميلة، موقع ضفة ثالثة الذي تداوله كلّ من ديما الشكر وأمجد ناصر، ليهجع أخيراً بين يدي أنطوان شُلحت الذي أجاد، أيّما إجادة، في تطويره وجعله موئلاً لعشرات الكُتّاب والمثقّفين العرب ممّن لمعوا في شتّى الحقول الإبداعية كالرواية والفكر والموسيقى والآثار والنقد وغير ذلك.

(2)

كم تبدو تلك الأيّام قريبةً وبعيدةً معاً. في دفاتري من تلك الفترة أنّهم خصّصوا لي مهمّة مدير مكتب الصحيفة في بيروت، وفاتحني بذلك الدكتور عزمي بشارة، لكنّني اعتذرت عن عدم قبول تلك المهمّة لأنّني لا أطيق الإدارة اليومية. وكنت حينذاك أُدير قسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي أُسس في سنة 2010. وذريعتي أنّ إدارة المكتب ستجعل "المدير" يتوقّف عن الكتابة، وسيغرق في الشؤون الجارية، وكنتُ أعرف هذا بدقّة من بعض أصدقائي الصحافيين الذين ما عادوا يكتبون إلّا لماماً منذ تسلّموا مهامّ إدارية، وصار ديدنهم متابعة المقالات والمراسلات على المنوال التالي: أين صارت مقالة فلان؟ هل أُرسلت المقابلة مع علّان إلى رئيس التحرير؟ لماذا لم تُرسل الصور مع المقالة؟ أين التحقيق الفلاني؟ لماذا لم يتسلّم فلان مكافأته المالية؟... إلخ. آنذاك اقترح عليّ الدكتور عزمي بشارة اقتراحاً منطقياً بقوله: يمكنك أن تعتمد في هذه الأمور على مساعد إداري، وتنصرف إلى قضايا التحرير والكتابة... فلم أقتنع، وتعهّدت بكتابة زاوية أسبوعية ومقالات أخرى بحسب الحاجة. وحاول معن البياري وأمجد ناصر إقناعي بتعديل موقفي ففشلا، لأنّ العمل في المركز العربي للأبحاث والكتابة في "العربي الجديد" يلائمان مزاجي الذي ينفر من الإدارة اليومية، مع أنّني كنتُ، قبل أن أتولّى مهمّة سكرتير التحرير لمجلّة الدراسات الفلسطينية، مديراً للنشر والتوزيع في مؤسّسة الدراسات الفلسطينية. وفي الاجتماع ما قبل الصدور في الدوحة لوضع اللمسات الأخيرة على الأسماء ومهامها، دقّ الصديق الحبيب الراحل أمجد ناصر كفّه على صدره متعهّداً بإرغامي على القبول بإدارة مكتب بيروت، وخرج من الاجتماع، واتصل بي في بيروت معتقداً أنّه "سيجلب الذيب من ذيله" بحكم الصداقة العتيقة، لكنّ إصراري على موقفي خيّب توقّعه. وعلمتُ بالتواتر أنّ الدكتور عزمي ضحك من فشل أمجد ناصر لأنّه كان يعرف رأيي المعاند. وهكذا، بعد فترة وجيزة، بدأتُ كتابة زاوية أسبوعية في "العربي الجديد" ومقالات في صفحة القضايا أثارت سجالات شتّى. وكانت بعض تلك الكتابات مدعاة لوجع الرأس أحياناً للدكتور عزمي بشارة ولمعن البياري معاً. ثمّ انثنيتُ إلى الكتابة في موقع ضفة ثالثة الذي أبصر النور في 4/10/2016، وهو الآن يزدهر يوماً بعد يوم بين يدي الكاتب والناقد والمثقّف المتميّز صديقنا أنطوان شُلحت.

(3)

بعد خروجه القسري من وطنه في 20/3/2007، لم يهدأ عزمي بشارة، ولم يهجع، ولم يرغب في أن تدفعه أيّام المنفى إلى الاستغراق في التأمل ومعاينة أحوال العرب والاكتفاء بهذا. وكان لا بدّ من "نفي المنفى"، فبادر فوراً إلى صوغ وثيقة فكرية – سياسية تتطلّع إلى تأسيس تيّار قومي عربي ديمقراطي طليق يتخطّى الأحزاب القومية العتيقة وتجاربها المرّة والمريرة، ويتجاوز الأطر الراكدة، حتّى لو كانت حديثة النشوء، التي تحوّلت بدورها إلى مؤسّسات استنقاعية بلا فاعلية جدية. آنذاك في سنة 2009، أرسل رؤيته تلك إلى أقلّ قليلاً من ألف مفكّر ومثقّف ومناضل عربي في شتّى أنحاء بلادنا العربية. ولما جاءت الردود أقلّ من المرتجى، ارتأى الاستعاضة عن ذلك بتأسيس مركز يستطيع أن يساهم في نشر تلك الرؤية، وأن يجمع في أفيائه، من خلال الندوات والمؤتمرات والمنشورات والمجلات العلمية المتخصّصة والمحكّمة، كثيرين من المثقّفين والمفكّرين والمناضلين وأصحاب الخبرة، على أن يصبح المركز مختبراً للعروبة الجديدة وللأفكار النهضوية المتجدّدة في سبيل التقدّم والحرية وخدمة قضايا العرب. وكانت الغاية في ذلك كلّه مكافحة السكون والتقاعس والتناعس التي تسربلت بها النُّخب العربية بعد الغزو الأميركي للعراق في 2003.

شمخت وأينعت المؤسّسات التي بناها وأطلقها المفكر العربي عزمي بشارة، وما برح يسقيها ويرويها ويرعاها

كانت الصحافة العربية قد أُصيبت في تلك الحقبة بما أُصيب به المشرق العربي من انحسار للتيّارات الفكرية الكُبرى كالتيّار القومي العربي، والتيّار الماركسي بمختلف صنوفه، والتيّار الليبرالي الديمقراطي المهلهل، والتيّار القومي السوري، وصعود لتيّارات اليمين العنصري. وصارت الصحف الناطقة باسم تلك التيّارات اليمينية على صورتها: سقيمة ومحلّية يعافها القارئ المتنوّر، ويستسيغها المتعصّبون والمتكارهون والطائفيون وأنصار الديكتاتوريات. وكانت تجربة "السفير" اليسارية العروبية، على سبيل المثال، قد وصلت إلى نهايتها تقريباً، كما انتهت تجربة صحيفة الأهرام بعد موت جمال عبد الناصر، وتبدّدت تجربة "النهار" الليبرالية اليمينية. وهنا طمحت "العربي الجديد" إلى أن تكون صحيفة عربية من بابها إلى محرابها بحيث يجد فيها كلّ عربي بعض ما يريد من شؤون بلده ومشكلاته وأحواله. وكانت فلسطين حبّة القلب في "العربي الجديد"، بل قلبها الذي يضخّ الأمل إلى هذه الأمّة. وبهذا المعنى، ربما كان عزمي بشارة آخر ممثّل للأنتلجنسيا العربية المناضلة. وأقصد تلك الفئة من التنوّيريين المستقلّين الذين يسعون إلى تغيير مجتمعاتهم بالفكر والعلم والثقافة (وبالثورة السياسية إذا لزم الأمر)، وإلى بناء دولهم على أسس العدالة والمساواة والتقدّم والحرية والديمقراطية.

كان عزمي بشارة هو مَن قاد سفنه، بل أسطوله المعرفي والإعلامي ("العربي الجديد" والمركز العربي للأبحاث ومعهد الدوحة للدراسات العليا والمعجم التاريخي للغة العربية وتلفزيون العربي والموسوعة العربية) كما يقود الربّان العنيد معاركه البحرية في وجه الأمواج العالية واللجج السحيقة. وكان عليه أن يمتلك جليداً في عروقه ونيراناً في قلبه كي ينتصر في معركة "ذات الصواري" الجديدة أمام المتاعب والمصاعب والعراقيل والعقابيل. ولهذا شمخت وأينعت المؤسّسات التي بناها وأطلقها، وما برح يسقيها ويرويها ويرعاها. ولعلّ بإمكاني أن أفاخر بأنّني كنتُ معه، أو إلى جانبه، في بعض أشواط تلك الإنجازات، لا سيّما المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، و"العربي الجديد" ورديفتها "ضفة ثالثة" ذات البروق الجميلة.