الحرب والعفاريت

18 مارس 2026   |  آخر تحديث: 02:53 (توقيت القدس)

أطفال فلسطينيون في مخيم جباليا شمال قطاع غزة (11/3/2026 الأناضول)

+ الخط -

كان من الممكن أن ينتهي فيلم "العفاريت" نهاية مختلفة، لو كان فحص الحمض النووي، الذي يثبت البنوة قد انتشر آنذاك. ولكن هذا الفحص في وقت إنتاج الفيلم عام 1990 لم يكن متداولاً، بينما أصبح اليوم منتشراً بصورة كبيرة، وتعتمد عليه الدراما في إضفاء مزيد من الإثارة على الأحداث.

الفيلم بوجه عام عن أطفال الشوارع، ضحايا عصابات خطف الأطفال ودفعهم إلى التسوّل، قبل ظهور تجارة خطف الأطفال من أجل بيع الأعضاء، ثم ما تم الكشف عنه لاحقاً ضمن ما عُرفت بفضائح جزيرة إبستين، حيث يُستخدم المواليد الصغار في أغراض شاذّة ودنيئة منافية للطبيعة البشرية، لكنها تستهوي أشخاصاً مشهورين وبالغي الثراء، ظنّوا أن المال والنفوذ يجعلان كل شيء مباحاً لهم.

يدفع الأطفال دائماً ثمن مصائب الكبار، على الصعيدين الخاص والعام. في مسلسل سوري يُعرض في رمضان الجاري، يفتح هذا الملف المتعلق بالاتجار بالأطفال بغرض دفعهم إلى التسوّل وتكوين عصابات يقودها رجل مبتور الساقين بكل حنكة ودهاء. وقد تعرّضت طفلة للاختطاف، لكن والدها لديه الأمل في العثور عليها. وكل ما يملكه من أثر يدل عليها هو وجود كلية زائدة في جسمها، بوصفه عيباً خلقياً، مما دعاه إلى فحص كل فتاة يشتبه بكونها ابنته، لأن هذا الدليل هو الأرخص بالنسبة لطاهٍ في مطعم صغير لا يملك كلفة إجراء فحوص الحمض النووي، إضافة إلى ضرورة الحصول على إجراءات رسمية من أجل تنفيذها. لذلك يتحايل على فتيات يُشتبه بهن، ويقوم بإجراء تصوير داخلي لكل واحدة منهن بالاتفاق مع طبيب صديق.

في النهاية، يظل الأمل لدى الأهل الذين فقدوا أطفالهم، فيما تظل الحروب المسبّب الأول والرئيس لفقدان الأطفال على مر التاريخ. إذ يدفع الأطفال وذووهم ثمن هذه الحروب؛ فإن لم يموتوا مباشرة، كان موتهم بطيئاً حين يصبحون بلا هوية، وحين يُلقى بالطفل الذي نجا من القصف ولم يتعرّف عليه أحد في دار للأيتام. فيما تظل أمهاتٌ كثيرات بين الألم واللوعة، فلديهن يقين داخلي بأن قطعة اللحم الغضّة التي تركتها إحداهن في حضانة صناعية بأحد المستشفيات، قبل محاصرة المستشفى بآليات الاحتلال، لا تزال تنبض وتتنفّس في مكان ما من العالم.

بيسان، التي لم تختر أمها لها اسماً، طفلة من ضحايا الحرب على غزّة، ومثلها كثيرون ممن لم تُكشف قصصهم المؤلمة بعد. وكان من الممكن اليوم أن تكون بيسان ذات العامين في بيت عائلتها الدافئ في شمال غزّة، حيث تتقافز مع إخوتها، وتزجرهم الجدّة بحب، وتنادي الأم أن تسيطر على هؤلاء "العفاريت". ولكن واحدة من هؤلاء العفاريت قُتلت في قصف مباشر للمنزل. أما العفريتة المعجزة التي لم ترها عين الأم فقد وُلدت في المستشفى، فيما كانت الأم تصارع الموت بعد إصابة بليغة. وقد اعتقد الجميع أنها ماتت مع غيرها من الخدّج بسبب نقص الكهرباء في الحضانات، لكن يقين قلب الأم ظل ثابتاً بأنها على قيد الحياة في مكان ما. وذلك ما حدث فعلاً؛ إذ نُقلت الطفلة مع غيرها من الخدّج إلى مصر لتلقي الرعاية الخاصة بهم، وحين لم يسأل عنها أحد أُودعت داراً للأيتام. وقد حرص الجميع على الإبقاء على سوار بلاستيكي تقليدي يحيط بمعصمها، كُتب عليه اسم أمها كما تجري العادة في مستشفيات الولادة.

وبعد عامين، وبالمصادفة، عثرت الأم على طفلتها. وحين أتى ذكر الأطفال الخدّج الذين تم نقلهم إلى مصر من خلال مسلسل "صحاب الأرض"، أصبح اليقين حقيقة، وسُجلت الطفلة بيسان كـ"عفريتة" صغيرة جميلة من ضحايا الحروب التي لا تزال تقتلنا إلى حد الدهشة، لفرط ما تسبّبها من مآسٍ لا تنتهي للأطفال العفاريت وأمهاتهم.

سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.