الأمم المتحدة في مهبّ مزاج ترامب
(1)
القرار الذي اتخذته إدارة الرئيس ترامب بحجبِ تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة للرئيس الفلسطيني محمود عبّاس ووفدٍ معه، فلا يتاح لهم المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين، لا يأتي فقط ضمن سلسلة من القرارات التي تستهدف عبّاس ورفاقه، بل هو استهداف لمصداقية الأمم المتحدة.
ذلك قرار يبدو، لأول وهلة، مقصوداً به الرئيس عبّاس، لكنه سيطبق على كلِّ من يحمل جواز سفرٍ فلسطينياً. تلمّح قرائن الأحوال إلى أن تبعات له ستكون أبعد وأخطر. تدرك الإدارة الأميركية ووزارة خارجيتها تمام الإدراك إلزامية اتفاق المقر المُبرمة منذ 1972، وبحكم أنها الدولة المضيفة للمنظمة الأممية، عليها أن تمنح تأشيرات دخول لجميع ممثلي الدول الأعضاء، الدائمة والمؤقتة، وممثلي الكيانات والبعثات المدعوة من الأمم المتحدة، من دون تمييز أو مرجعية لأيّ خلافات سياسية أو تصنيفات داخلية تخصّ الولايات المتحدة، فكيف تتعامَى وزارة الخارجية، بل الإدارة الأميركية بكامل مؤسَّساتها عن تلك الاتفاقية؟
لا يترك ذلك التجاهل المتعمّد اتفاقية المقرّ على المحك، بل سيدخل مصير الأمم المتحدة في اختبار حقيقي، قد يحدّد، أو ربما يهدّد، بقاء المنظمة الأممية في مقرّها التاريخي في أراضي الولايات المتحدة.
(2)
لم تعد المواقف العدائية تجاه الأمم المتحدة وكلّ ما يتصل بوكالاتها ولجانها وهيئاتها المتفرِّعة عنها سياسة خافية تتبنّاها إدارة الرئيس ترامب في فترتي حكمه الأولى (2017-2021) والثانية الحالية. لقد انسحبت إدارته من "اليونسكو" ومنظمة الصحة العالمية، وواصل ممارسة عدائياته وانسحبَ من اتفاقية المناخ ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ومن اللجنة الدولية لحقوق الإنسان. ثمّة منهجية اتّبعتها إدارته وشكلت جزءاً من ذهنية الرجل، خصوصاً في فترة رئاسته الثانية، بهدف استضعاف المنظمة الأممية عبر تجاهل ممنهج لأدوارها. يضاف إلى ذلك ما يبديه ذلك الرئيس من احتقار صريح لكلِّ سياسات كلٍٍّ من الرئيسين الديمقراطيين، السابق جو بايـدن والأسبق باراك أوباما، ورمَى عليهما كلَّ منقصة خطرت بباله عن إدارتيهما، وفي كل المجالات، داخلية كانت أم خارجية.
روح انتقامية لا تليق برئيس منتخب للولايات المتحدة يهاجم من سبقوه في البيت الأبيض، على نحوٍ غير مسبوقٍ منذ تأسيس الدولة الأميركية
تلك روح انتقامية لا تليق برئيس منتخب للولايات المتحدة يهاجم من سبقوه في البيت الأبيض، على نحوٍ غير مسبوقٍ منذ تأسيس الدولة الأميركية. إنْ كانت ثمَّة مصداقية لدعاواه لاسـتعادة العظمة الأميركية، فلا الأسلوب، وفيه تحدٍ لغائبين، ولا اللغة وفيها كثيرٌ من اسـفاف، هما ممَّا لا يتوقع صدورهما عمَّن يتصدَّى لقيادة الدولة الأقوى في العالم، ويرغب استعادة عظمتها. لا يقف الرجل على غرابة أفاعيله، لكنه يحسب استعادة العظمة يمكن تحقيقها بأضغاث أحلامٍ تراوده، مثل جعل كنــدا ولاية أميركية، أو الاجتراء للسيطرة على دولة بـنمـا، أو التهديد بابتلاع جزيرة غرينلاند عنوةً واقتداراً. يقع منه كلُّ ذلك التمادي من دون أن تطرف له عين، وغير عابئٍ بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والتي لا تلتقط إشاراتها راداراته.
(3)
أمَّا التحدِّيات التي طرأتْ في السَّـاحة الدولية بعد تولِّي ترامب قيادة الولايات المتحدة، فهي سلسلة من الحروب الطاحنة: روسيا ضد أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، السودان ضدّ نفسه في إبريل/ نيسان 2023، إسرائيل ضدّ غـزّة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، على التوالي. لكأنَّ الأقـدار هـيأت له تلك السلسلة من الحروب التي في نظر المجتمع الدولي ظلّتْ تهدّد السلم والأمن الإقليميين في حالات، والدوليين في حالات أخرى. هكذا، وإزاء عجز المنظمة الدولية، أعـدّ لنفسه من القوة ومن رباط الخيل ليسدِّد، ليسَ ضربة واحدة، بل ضرباتٍ قاضيات للأمم المتحدة.
آثرَ الرَّجلُ الشعبوي، بمهاراته التي اكتسبها في إجراء الصفقات التجارية، أن يستعين برفاقه في أسـواق المال والتجارة، مستشارين ومبعوثين خاصِّين لهُ من أوساط حزبه الجمهوري. جـاء بتجّـارٍ صيّرهم سُــفراء ودبلوماسيين، لترتيب صفقاتٍ تفضي لحفظ الأمن والسِّـلم الدوليين. طرح الرجل نفسه بديلاً كامل القدرات للمنظمة الأممية، وقد أفلت فعاليتها، طامعاً أن ينال جائزة نوبل للسلام، فتأمّل!
باتت أيام المنظمة الأممية معـدودة، وجاء من يقول لها إن سنينها الثمانين قد أينعتْ وحان قطافها
لم يعُـد يُرَى المتابعون والإعلاميون لسفراءِ الولايات المتحدة ودبلوماسييها، مِن أدوارٍ تذكر في إدارة علاقات الولايات المتحدة الخارجية، بل تمادَى الرجلُ في الاستهانة بالدبلوماسية الأميركية، وأقـرّ تخفيضاً في عدد موظفي الخدمة الخارجية، بما يصل إلى ثلاثة آلاف، بدعوى أنها ترهَّلـتْ من دون مردود خلال رئاسَـتي أوبامـا وبايـدن. لقد حرصَ الرجل أن يكون منتـقماً قاسـياً عليهما في كلِّ اتجـاه.
(4)
الاستخفاف الذي لحق منه بالمنظمة الأممية بلغ درجاتٍ أوصلته إلى مشارف الاسـتهانة بقراراتها وبياناتها، بل وبوجودها. صارت المنظّمة الأممية في نظره، وأيضاً في سمعهِ، محضَ ظاهرة صوتية، مثل منظمات إقليمية ودولية أخرى نعرفها. لا يعـبأ الرّجل بما يقع من قتلٍ ومن إبادة جماعية ودمار شامل بالمسيَّرات والراجمات في غــزّة، بل يعقد العـزائم تحت الطاولات لإحلال إســرائيل وتمكينها في كامل القطاع والضِّفة الغربيـة، فتُزال فلسطين من الخرائط تماماً، وتتغيَّر تركيبة الشرق الأوسط بكامل بلـدانهـا. بعد أن تضع الحرب أوزارها ويُدفن خيـار الدولتين والقضية الفلسطينية برمّتها تحت ركام ما كان يوماً قطاعاً أو ضفّة، وقتها يبرز حلم "الريفييرا" وعرّابوه قادمون. ألا ترون كوشــنر وتابعه بليـر وقد خرجا من غياهب الجُـبِّ بكامل أناقتهما يمشيان من فوق جثث الشهداء، ليكونا عرَّابين لجنون العظمة عند بعض مدّعي زعامة العالم؟
أمّا مِن بين مَن خرجتْ أصواتٌهم مبحوحة من قيادات بعض دول الاتحاد الأوروبي فسـيردّ عليهـم الرئيس الأميركــي ناصحاً أن يشـربوا من ميـاه البحـر الأبيض المتوسّط.
(5)
عن حرب روسيا وأوكرانيا، تدور مناورات مُعلَّقة يتجاذبها ترامب وبعض أطراف أوروبية، وربَّما تتواصل من دون حسـم. وعـن السيد "بولوس"، فلا تحدِّث ولا حرج. ثمَّة همـسٌ يُقـال، وجـولاتٌ تُخـفَـى، وبلاد أفريقـية تُتـرك لحـالها لتـتـداعَـى في متاهة التناسي. لـيسَ من وقـتٍ يُـبـذل، والأطراف جميعها مشغولة لكسب حرب التجارة الدائرة. ويرجح بعضهم، واليأس قد أطبق على رقاب العالمين، أنْ تتبـنَّى الصين بعضَ أدوار الأمم المتحدة الضائعة، إلَّا أن تشغلها الولايات المتحدة بمناوشـات حرب التجارة فتبطئ مسـاعيها. وفي جميع الأحوال وتحت كلّ الظروف، باتت أيام المنظمة الأممية معـدودة، وجاء من يقول لها إن سنينها الثمانين قد أينعتْ وحان قطافها.