استنزاف الشرق الأوسط
تطرح أزمة استهداف سفينتَين للغاز في ميناء دمياط المصري على البحر المتوسّط، الأربعاء الماضي، مسألةً أبعد من مجرّد هجوم "مجهول" المصدر، إذ هي تأكيدُ إقفالِ كلّ مداخل الشرق الأوسط البحريّة، سواء أكانت مضيقَي هرمز وباب المندب أم قناة السويس. في تلك المسألة ما هو أكثر من مجرّد ردّ فعل إيراني، أقلّه في مضيق هرمز، إذا ظلّ مُطلق مسيّرة دمياط مجهولاً، فضلاً عن تهديد الحوثيين بإقفال مضيق باب المندب. ويطرح إقفال المعابر البحرية وحركة الملاحة قضيةً وجوديةً لدول الخليج خصوصاً، من المفترض أن تدفعها إلى اتخاذ قرارات جوهرية ومفصلية. وفي صلب هذه القرارات لا يُمكن لدول الخليج القبول بما يفرضه الإيرانيون أو مطلقو المسيّرة على دمياط، لاعتبارات عدّة، تبدأ أولاً بمفهوم "القبول بما تفرضه إيران، اليوم، يعني القبول بما تفرضه كلّ يوم"، خصوصاً أنّ طهران لم تتصرّف يوماً مع الدول الخليجية والعربية إلا بمنطق "حاكمة الشرق الأوسط"، أو "غرب آسيا"، وفقاً لأدبياتها.
وأظهرت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران أنّ الأخيرة في تركيزها على مهاجمة الدول الخليجية، واستثناء أذربيجان على سبيل المثال، تنوي استفزاز جيرانها إلى أقصى حدّ، ودفعهم إلى اتّخاذ قرارات تسمح لها بالتمادي أكثر ضدّهم. ولا يُمكن لإيران هنا التدخّل في شأن إقامة قواعد أميركية في تلك الدول، على اعتبار أنّ مثل هذه القواعد شأن داخلي، وإيران، كما ردّدت مراراً، "لا تتدخّل في الشؤون الداخلية لأيّ بلد"، رغم اعتقال عشرات الأفراد من خلايا التابعة للحرس الثوري الإيراني في دول خليجية.
من الصعب هنا الظنّ بأنّ الحرب هي الحلّ الوحيد لتغيير المعادلات، لأنّ أيّ حرب مهما كانت محقّةً ستكون وبالاً على الجميع، ولو بنسب متفاوتة. لكنّ الإيرانيين، الراغبين حقّاً في حرب، يُسبغون عليها أفكاراً دينية، شأن أيّ دولة تبغي تحشيد مواطنيها من أجل ديمومة نظامها. إيران في هذه المرحلة تعلم أنّ الهروب إلى الإمام يبقى الحلّ الأنجع لها في ظلّ وضع اقتصادي متردٍّ، وتضخّمٍ غير معقول. ويُفهم من ممارساتها في مضيق هرمز أنّها لا تخوض حرباً دفاعية، بقدر ما تسعى إلى ضرب مقوّمات اقتصاد المنطقة برمّتها، لإبقاء نظامها في قيد الحياة. والأسوأ أنّ أيّ حوار خليجي مع إيران سيُعَدّ خضوعاً، مهما كانت النيّات حسنة، لأنّه لا يتضمّن تنازلات إيرانية إلّا في المعايير الأمنية، إن صحّ التعبير، وليس في المقاييس السياسية، جوهريةً كانت أو ثانوية.
لِمَن لم يدرك بعد، القضية أشبه بمأزق، أو بطريق مسدود لا يمكن عبوره إلّا بأمر استثنائي، يتخطّى روتين الفترة الحالية من هجمات متبادلة بين الإيرانيين والأميركيين. ومقوّمات "الأمر الاستثنائي" تراكمت في الأيّام الماضية مع توسّع مروحة الهجمات في الشرق الأوسط، ممّا سيُفضي إلى ساعة صفر يفكّر كثيرون فيها من دون معرفة طبيعتها، لكنّهم يدركون حتميتها. في "الساعة صفر"، ستُرسم خريطة سياسية جديدة للشرق الأوسط، قوامها: "أيّ وجود ينتصر؟"، باعتبار تحوّل المواجهات الجارية إلى حرب وجودية لكلّ أطرافها. وفي ظلّ إدراك حقائق قوّة كلّ طرف، فإنّ ترجيح أيّ كفّة سيعتمد على مدى استعداد أيّ فريق للصمود في استنزاف طويل الأمد نسبياً.
وسط هذا كلّه، يبدو الجانب الأميركي في حالة تردّد متعمَّدة، بين تكوين رصيده النفطي في فنزويلا وفي الولايات المتحدة نفسها وتصديره واستثماره، والحاجة إلى التمركز في الشرق الأوسط لاعتبارات تتجاوز إيران وروسيا إلى الصين. التردّد المتعمَّد مفتاح استنزاف جماعي بالنسبة إلى واشنطن، لأنّ أيّ ملفّ مُعلَّق، وفي مضائق تعدّها غير مركزية، يسمح لها باستنباط الحلول بصورة براغماتية. المثال الأوضح على ذلك هو ما يجري في أوكرانيا. في 28 فبراير/ شباط 2025 تشاجر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، معتبراً أنّ "لا أوراق لديه" و"أنّ روسيا تنتصر". في 28 يوليو/ تمّوز الماضي، في المكان نفسه، رحّب ترامب بزيلينسكي، بعد تسريبات عن تحوّل موقفه إلى الاقتناع باحتمال "انتصار أوكرانيا" على روسيا. ما الذي فعله ترامب فعلياً؟ باع أسلحة أميركية للأوروبيين خصوصاً وفق "التردّد المتعمَّد" لا الحسم، تاركاً الحرب تأخذ مجراها في أوكرانيا مستنزفةً الجيش الروسي ورئيسه فلاديمير بوتين، وأوكرانيا وزيلينسكي. وفي مثل هذا النهج المتعمَّد، سيكون الاستنزاف مقياساً للمرحلة المقبلة على امتداد المنطقة، في ظلّ اقتصاد إيراني على شفير الهاوية.