إصلاح الإعلام عملة قديمة
(وسام العابد)
جاءنا خبر وفاة الصحافي والمناضل الحقوقي التونسي، كمال العبيدي، وكأنّه يؤشّر إلى موت مرحلة من عملية الإصلاح في الإعلام التونسي ما بعد الثورة، والآمال التي رافقتها في نهوض إعلامٍ متحرّرٍ من السلطة، ممثّلاً هموم الناس وملتصقاً بها. لم يعايش "سي كمال"، كما كنا نناديه، ثمرةَ التغيير كما كان يريده، وهو الذي قاد العملية الإصلاحية رئيساً للهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال التي تشكّلت بعد الثورة، وقرّر حلّها عندما ماطلت الحكومة في تشكيل الهيئات التي أوصت بها الهيئة، احتجاجاً على ما اعتبره عرقلةً لعملية الإصلاح. راهن كمال العبيدي (الصحافي الذي طُرد من بلاده لمواقفه ضدّ نظام زين العابدين بن علي) وخسر رهانه على قيام إعلام عمومي مستقلّ ومسؤول، بعدما تحوّل الإعلام التونسي ساحةً لمصالح الساسة والمستثمرين، ولم يقف، كما كان يُؤمَل، في وجه عودة الديكتاتورية المقنَّعة في حكم الرئيس الحالي الشعبوي قيس سعيّد.
هل كان العبيدي، الذي عُهدت إليه عملية الإصلاح الإعلامي عامَين بعد الثورة (2011 - 2012)، رومانسياً وغافلاً عن عظم التحدّيات التي تواجه إعادة إصلاح قطاع اعتاد خدمة مصالح السلطة أيّاً كانت، أو عن موجة الحنين الشعبوي لعهد الديكتاتورية، أو الانقسام الأيديولوجي الذي دفع عجلة عملية الانتقال الديمقراطي إلى الوراء؟ لم يكن العبيدي غافلاً عن ذلك كلّه، لكن المرحلة نفسها كانت رومانسية، تحمل أحلام من اعتقدوا أن سقوط النظام سوف يقود بالضرورة إلى أفول ثقافته. كان الرجل النبيل رافضاً أيّ براغماتية في التعامل مع توزيع الحصص الإعلامية، ومتخوّفاً من تحوّل الإعلام التونسي إلى شبكة تمثيلية للمصالح السياسية والفئوية على نسق الإعلام اللبناني، عندما غلب توجّه تمثيل الفئات والمجموعات عبر الإعلام الخاصّ، وفي ظلّ عجز هيئات الرقابة حديثة العهد عن التحقّق من شفافية تمويل هذا الإعلام أو ضبط جموحه.
لا يزال الإعلام العمومي الضمانة في وجه جنوح الإعلام الخاصّ في الدعاية السياسية
كان رهان العبيدي على إعلام عمومي يمثّل المواطن على نسق "بي بي سي" البريطانية غير موفق، ولو أنّه كان ضرورياً وعقلانياً، خصوصاً في المراحل الانتقالية. لا يزال الإعلام العمومي الضمانة في وجه جنوح الإعلام الخاصّ في الدعاية السياسية، ولو أن هذا النموذج يعاني من أزمة، وبات مستقبله غير واضح. لعلّ العبيدي، والإصلاحيين بعده، كانوا متفائلين إلى حدّ مبالغ فيه بإمكان إصلاح حال الإعلام الرسمي، لتحويله إعلاماً عمومياً؛ وهو إعلام مكروه شعبياً، ضعيف مؤسّساتياً ومهنياً، ولا يملك الإمكانات الفعلية للاستقلال عن السلطة. قالت لي إحدى الصحافيات في جولاتي البحثية في تونس إن الإصلاح لا يمكن أن يكون "من دون دم"، أي من دون الاستغناء عن الترهّل في البنية الوظيفية. كما شرح لي أحد مديري التحرير في التلفزيون الرسمي أن الإدارة قرّرت وقف الاجتماعات التحريرية اليومية بسبب الخلافات السياسية بين الصحافيين والعاملين، ولتفادي أيّ نزاعات. في تلك الفترة، كان الرئيس الحالي ضيفاً معتاداً في شاشة التلفزيون، وكان الشغف بخطابه الشعبوي الداعي إلى "التطهير" يحصد تأييداً واسعاً بين الصحافيين.
شكّلت ضآلة حصيلة عملية الإصلاح الإعلامي في تونس خيبة أمل واسعة، وهي التي حظيت بدعم عالمي ومالي كبير. ولعلّ المبالغة في الآمال المعقودة على هذا الإعلام، وفي اعتبار تونس نموذجاً لنجاح تجارب الثورات العربية، أسهمت في هذه الحصيلة. في مؤشّر حرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود، يواصل الإعلام التونسي تراجعه في ظلّ تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية والقضائية لتحجيمه؛ إذ تراجع 11 مرتبةً ليحلَّ في المرتبة 129 بين 180 دولة شملها الإحصاء. تستخدم إدارة قيس سعيّد سلاح القضاء في ترهيب الصحافيين أسوةً بنظام بن علي، في حين يقبع ثلاثة صحافيين وعامل إعلامي في السجن. عاد الصحافيون إلى ممارسة الرقابة الذاتية، في مواجهة الخوف من القمع المتصاعد، في ظلّ هرْسلة قضائية متواصلة وملاحقات قضائية عقاباً على ممارسات مهنية أو تعبير عن آراء.
اختار كمال العبيدي أن يبقى هامشياً، ولم يسعَ إلى السلطة والتنافس على المناصب
"الربيع" انتهى، وليس مؤكّداً أن الشتاء سينتهي قريباً. قد يكون من العوامل الفاعلة في هذا التراجع المتواتر غياب التضامن بين الصحافيين، وإنهاك نقابة الصحافة في الدفاع عن صحافيين كثيرين ملاحقين قضائياً، والانقسام السياسي بين الصحافيين؛ بما في ذلك اعتبار عدد كبير منهم مبادرة سعيّد بحلّ البرلمان وسيطرته على مؤسّسات الدولة إجراءً ضرورياً في وجه الفساد وما يُعتبر سطوة الإسلاميين على الدولة آنذاك. في ظلّ موجة الخوف من الإسلاميين والتهويل من خطرهم، تناست الصحافة وأهلها أن تضامن المحافظين يميناً ويساراً ضدّ حقوقهم سيعيد دفّة الحريات إلى الوراء، مدعوماً باستفحال رأس المال في السياسة والإعلام.
غالباً ما انتقد العبيدي سطوة المال الفاسد على الإعلام، وهو شعارٌ حَكم فترةً طويلةً النقاشات عن دور الإعلام ومدى مشروعيته، قبل عودة قيود الماضي على حرية التعبير التي طالما اعتُبرت الإنجاز الأبرز للثورة التونسية. اختار العبيدي أن يبقى هامشياً، ولم يسعَ إلى السلطة والتنافس على المناصب، كما لم يغيّر خطابه ولم يؤطرّه في خدمة السلطة وتقلّباتها. قد تكون المثالية في طلب التغيير مسألة غير واقعية في ظلّ ظروفٍ معقّدةٍ كما هو حال المشهد التونسي، إلا أن دور العبيدي في الدفاع عن الحريات الصحافية تجاوز بكثير تونس إلى العالم العربي. في وفاته، نستذكر الآمال العريضة في إصلاح الإعلام التي طبعت بدايات الثورات عندما كانت في ربيعها، لنسأل: هل من إمكانية للحديث بعدُ عن إصلاح؟