أصالة ومؤتمراتها الصحافية

11 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 11:24 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى المقال:

يبدو أن المغنية السورية أصالة لم تسمع يوماً بالحكمة العربية القديمة "لكلّ مُقام مَقال"، ما يعني ضرورة ملاءمة مضمون الكلام الذي يصدر منا مع الموقف والمكان اللذين يقال فيهما، فما يصلح للحديث بين أوساط العائلة والأصدقاء المقرّبين لا يجوز قطعاً التفوّه به، ببساطة ولا مبالاة، من منبر يشاهده الملايين. بين الأهل والأصدقاء نستطيع التفلسف و"التخبيص" والهذربة والتظارف والمزاح وارتكاب الحماقات، والإدلاء بالاعترافات والبوح بالمشاعر، من دون التعرّض للنقد والأحكام القاسية، لأننا نكون في حالة اطمئنان في داخل منطقة الأمان التي تخصّنا، بين المقرّبين الذين نثق فيهم ونعرف أنهم يستوعبون تقلّباتنا، ويفهموننا من دون شرحٍ كثير، ويدركون نقاط ضعفنا ويحموننا من أنفسنا ويدارون عيوبنا ويتغاضون عن زلّات ألسنتنا، ويتصدّون عند الحاجة للدفاع عن غيبتنا، ويحرصون على الحفاظ على مكانتنا وصورتنا أمام الآخرين... ببساطةٍ، لأنهم ناسنا، ومن يكترث من دون ادّعاء بنا.
وهذا ما لم تفعله أصالة في مؤتمرها الصحافي، في عمّان، على هامش حفلها الغنائي الذي اختتمت به فعّاليات مهرجان جرش، إذ أدلت، تحت عنوان العفوية والتلقائية والبراءة والاندفاع وحسن النيات، بتصريحات طائشة غير مدروسة، لا تليق بمكانتها فنّانةً ذات صوت استثنائي جميل، يُغنيها عن الحاجة إلى الثرثرة ومحاولة إضحاك الجمهور، غير مدركةٍ أنها لا تجلس بين شلّة من الأصحاب، ولا بين مجموعة من الجارات يشربن قهوة الصباح، بل في مؤتمر صحافي له بروتوكول خاصّ، ويتطلّب أسلوباً أكثر رسميةً في الخطاب. وقد أثارت تصريحاتها موجة استياء واسعة بين جمهورها الكبير، حين قالت إن من لا يحبّها "متخلّف عقلياً"، وإنها لا تستمع إلا إلى أغانيها، ولا تطرب إلا لصوتها، وإنها لا تحبّ أحداً أكثر من نفسها، ما عرّضها للشتم والتجريح والإهانة في مواقع التواصل، وقد وجد كثيرون في تصريحاتها تعبيراً عن الغرور والنرجسية، وعدم احترام اختلاف الأذواق، ما يتناقض وتجربتها الفنّية الطويلة، التي بدأت مبكّرة في حياتها، ولا يليق بسنوات عمرها التي قاربت الستّين، نفترض أنها أكسبتها الخبرة النضج والتروّي والعمق والاتزان والهدوء، والقليل من الحكمة.
في أيٍّ من أقطار الوطن العربي، لا أحد ينكر نجومية أصالة وبراعتها في الغناء، ولا خامة صوتها البديعة وأسلوبها الفريد، ولا قدرتها الاستثنائية على أداء مختلف ألوان الغناء وحساسيتها العالية وثقافتها الموسيقية وجماهريتها الكبيرة، لكن ذلك كلّه لا يبرّر لها (ولا لسواها من الفنّانين والفنّانات) الوقوع في شَرك الغرور وجنون العظمة، والتعالي على جمهور يتابعها ويحضر حفلاتها ويترقّب ألبوماتها، ويدعمها ويحبّها، وهو سبب شهرتها واستمراريتها وتصدّرها المشهد الغنائي واحدةً من أهم مغنّيات العصر، ما يستدعي منها تواضعاً وامتناناً واحتراماً.
وللإنصاف، هناك نماذج مشابهة أكثر من أن تحصى من الفنّانين العرب والعالميين، ممّن أصابتهم الشهرة بفقدان التوازن النفسي، ودفعتهم إلى مناطق معتمة من الإدمان والاكتئاب والعزلة، وإلى القيام بتصرّفات متطرّفة مؤذية، والتعاطي بعدائية مع وسائل الإعلام، تأتي عليهم بالضرّر. لعلّ الراحل مايكل جاكسون المثال الأبرز للآثار الجانبية القاتلة التي قد تسبّبها الثروة والشهرة، إذا لم يتم التعاطي معها بحكمة.
المطلوب من أصالة أن تعيد النظر في طريقتها، وأن تحرص على مسافة لائقة مع الآخرين، وأن تتنبه أكثر إلى المقام الذي تدلي فيه بأقوالها، ولن يضرّها الاستعانة بخبراء متخصّصين في آليات مخاطبة الجماهير، حرصاً على صورتها، وعلى مكانتها الفنّية بالدرجة الأولى، وحفاظاً على خصوصيتها من التحوّل مشاعاً. الأفضل لها أن تكتفي بالغناء في جميع الحالات.

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.