- يواجه الاتحاد الأوروبي انتقادات لدعمه تونس بمبلغ 208 ملايين يورو لمكافحة الهجرة غير الشرعية، مما يثير تساؤلات حول التوازن بين الأمن وحقوق الإنسان، خاصة مع غياب آليات رقابة فعالة.
- تُظهر الشهادات انتهاكات خطيرة ضد المهاجرين من قبل الأمن التونسي، مما يعكس خطورة نقل مهمة ضبط الحدود لتونس دون ضمانات كافية لحقوق المهاجرين.
يتواطأ الاتحاد الأوروبي مع تونس، ضمن ما يُعرف بسياسة "المنع والصدّ"، تحقيقا لهدف "دع المهاجر يموت بعيدا عن حدودنا"، لذا يدعم الشركاء لوجستيا مقدما معدات بحرية تستخدم في قمع يخالف قوانين دول التكتل.
- يحمّل رمضان بن عمر، الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (غير حكومي)، الاتحاد الأوروبي المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية عن المآسي التي تحدث في البحر الأبيض المتوسط والتي وراح ضحيتها 2452 مهاجرا عام 2024، نتيحة سياسة "المنع والصدّ"، التي يطبقها مع شركائه وأبرزهم تونس، تحقيقا لهدف "دعه يموت بعيدا عن حدود أوروبا".
يتُرجم التوجه هذا عمليا عبر دعم لوجستي ومعدات بحرية أمد الاتحاد بها الحرس البحري التونسي بهدف اعتراض المهاجرين، ما تسبب في مآس عديدة وحالات غرق مفجعة وثقها المرصد وجهات حقوقية أخرى. ففي عام 2024، احتجز الحرس البحري التونسي 66328 مهاجرا من جنسيات مختلفة أثناء عبورهم البحر الأبيض المتوسط، وكان عددهم 81367 مهاجرا في 2023، مقارنة بـ 38372 مهاجرا في 2022، بحسب إحصائيات المنتدى المنشورة على موقعه الإلكتروني والمحدثة في 27 مايو/أيار 2024، مع ملاحظة بأن المعطيات المنشورة تعكس ما تمكن فريق العاملين من توثيقه، كون السلطات التونسية لم تعد تنشر أعداد الضحايا والمفقودين من المهاجرين غير النظاميين منذ يونيو/حزيران 2024.
الاستراتيجية الأوروبية لأمن الحدود
خلال العام 2024، بلغ عدد الغرقى والمفقودين، 621 شخصا، مقابل 1313 في 2023 و558 في 2022. كما تم إحباط 3702 محاولة لاجتياز الحدود البحرية خلسة سنة 2024، مقابل 6169 خلال سنة 2023، و2903 عام 2022، كما يقول بن عمر، ومن بين الناجين سالم محمود (اسم مستعار لمهاجر سوداني طلب عدم الكشف عن هويته)، والذي كان بصحبة صديقه محمد عبد الرحيم، ويقول: "غرق قاربنا المتهالك بعدما انطلق من ساحل صفاقس شرق تونس متجها إلى أوروبا، وعليه 45 مهاجرا من جنسيات أفريقية مختلفة، إذ فقد اتزانه عقب عملية الاصطدام خلال مطاردة طويلة نفذتها وحدات الحرس البحري ضد القارب الذي كان يقلّهم، ما أدى إلى غرق 23 مهاجرا بينهم طفلة لم تتجاوز 5 سنوات". عقب ذلك، عادت زوارق الحرس إلى أحد موانئ صفاقس، وهناك صادروا هواتفهم، قبل أن يجدوا أنفسهم في حافلات نقلتهم إلى الحدود التونسية الجزائرية وتركتهم هناك، دون طعام أو مياه.
وفاة 265 مهاجراً خلال عام 2024 نتيجة عمليات الاعتراض التونسية
ما عاشه عبد الرحيم ومن كانوا معه على القارب في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لم يكن واقعة عابرة، فقبل ذلك بشهر واحد، أي في أكتوبر/تشرين الأول، نشرت الأمم المتحدة بيانا يوثق مقتل 265 شخصا أثناء عمليات اعتراض نفّذتها الوحدات الأمنية التونسية في البحر خلال الأشهر السبعة الأولى من نفس العام، ومن يتم احتجازهم ينقلون قسرا إلى حدود البلاد "دون تقديم مساعدة إنسانية" وفق التقرير.
بات المشهد هذا، جزءا من ممارسات "غير مشروعة ومتهورة ومستمرة" ينتهجها خفر السواحل التونسي في التصدي لموجات الهجرة غير الشرعية، كما تقول منظمة العفو الدولية في تقرير بعنوان، "تونس: انتهاكات واسعة النطاق ضد لاجئين ومهاجرين تكشف خطر تواطؤ الاتحاد الأوروبي"، ويضيف التقرير المنشور في 6 نوفمبر 2025، أن قوات خفر السواحل تنفذ مناورات عالية السرعة تُحدث أمواجا قوية تهدد بانقلاب القوارب، وتعتدي على المهاجرين بالهراوات، وتطلق الغاز المسيّل للدموع من مسافات قريبة على من كانوا على متن القوارب، بما فيهم الأطفال، إضافة إلى الاصطدام بالقوارب، واستخدام عبارات تنطوي على التهديد والإهانة.
وتصاعد التعسف في التصدي لموجات المهاجرين، وفق بن عمر، عقب مذكرة التفاهم الموقعة في يوليو/تموز 2023 بين تونس والاتحاد الأوروبي، والتي تعرّف بأنها "شراكة استراتيجية وشاملة" تهدف إلى تعزيز حوكمة الهجرة، وتشمل إدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية والمساعدة على العودة الطوعية. غير أنها وإن لم تكن فعليا بداية التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي في المجال، هذا لكنها شكلت نقطة تحول لافتة جعلت تونس شريكا أمنيا، ومكنتها من الحصول على مبالغ مالية كبيرة مقابل "حراسة حدود أوروبا".
منذ ثورة 2011، توسعت برامج التعاون بين الاتحاد الأوروبي وتونس تدريجيا، إثر ارتفاع ضخم في أعداد المهاجرين، وبحسب بن عمر، دفع ذلك الاتحاد إلى التدخل لإمداد وزارة الداخلية بالمعدّات وتمويل إعادة تهيئة المقرات الأمنية التي أُحرقت خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد آنذاك وانتهت بسقوط النظام الحاكم. من ضمن تلك البرامج، إنشاء منظومة إلكترونية للمراقبة على الحدود بين تونس وليبيا، وإنشاء مراكز تدريب أمنية على الحدود الجزائرية التونسية، من بينها مركز نفطة (محافظة توزر)، وإعادة تهيئة مركز وادي الزرقاء (محافظة باجة)، وتأهيل قاعات مراقبة أمنية في قاعدة العوينة التابعة للحرس الوطني التونسي، وتقديم إمدادات لوجستية تتمثل في بواخر وزوارق معدّة للاعتراض وتركيز منظومات رادار على طول السواحل التونسية وطائرات دون طيار، واقتناء وحدة جوية للحرس الوطني لمراقبة الشريط الساحلي، فضلا عن تبادل المعلومات بين تونس والاتحاد الأوروبي، وعمليات تدريب مشتركة تُنظم بصفة دورية بين تونس وإيطاليا وألمانيا.
مجمل هذه البرامج، يقول بن عمر، إنها حولت تونس إلى لاعب رئيسي في الاستراتيجية الأوروبية للحدود التي تهدف أساسا لمنع المهاجرين غير النظاميين من الوصول إلى فضاء "شنغن".
حماية الأرواح وإنقاذها
حصلت تحقيقات العربي الجديد، على بيانات خاصة عبر ردين مكتوبين من الاتحاد الأوروبي، أقرّ خلالهما بتخصيص 105 ملايين يورو لتونس لدعم مجالات الحماية والعودة وإدارة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين، ضمن برمجة خطة العمل السنوية للهجرة لسنة 2023 في منطقة الجوار الجنوبي (الدول الواقعة جنوب البحر الأبيض المتوسط). وكشف أنه في نوفمبر 2024، اعتمد المخصصات الإقليمية السنوية للهجرة في دول الجوار الجنوبي، وبلغت حصة تونس، 208 ملايين يورو، موزعة على النحو التالي: 53 مليون يورو للحماية، و86 مليون يورو لحوكمة وإدارة الهجرة بما في ذلك إدارة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين، و56 مليون يورو للمساعدة في العودة الطوعية، و13 مليون يورو للهجرة الشرعية والتنقل.
دعم الاتحاد الأوروبي تونس بـ 208 ملايين يورو لمكافحة الهجرة
لكن رد الاتحاد يؤكد أن التمويلات لا تُقدم بصفة مباشرة للحكومة التونسية، وإنما تُنقل عبر المنظمات الدولية ووكالات تنشط في الدول أعضاء الاتحاد ومن خلال المنظمات غير الحكومية الفاعلة على الأرض. كما أوضح الرد أنه منذ عام 2015، موّل برنامج إصلاح قطاع الأمن (PARMSS) بمبلغ ناهز 23 مليون يورو. وينفذ بالشراكة مع عدة جهات دولية، من بينها سيفيبول (CIVIPOL وكالة خبرة تقنية تابعة لوزارة الداخلية الفرنسية)، ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS)، إضافة إلى المركز الدولي لحوكمة القطاع الأمني (DCAF)، المتخصص في دعم إصلاح المؤسسات الأمنية وتعزيز الحوكمة الرشيدة. وفي نهاية سبتمبر 2025، سلم الاتحاد الأوروبي للبحرية التونسية قاربين قال إنهما سيُستخدمان "للبحث والإنقاذ"، تبلغ قيمة كل منهما 4 ملايين يورو.
في بلاغ رسمي يشير الاتحاد إلى أن القاربين "سيمكنان من تعزيز جهود تونس لحماية الأرواح وإنقاذها في البحر، وتحسين أمن وإدارة الحدود البحرية، ومكافحة المهربين والمتاجرين بالبشر الذين ينشطون في المنطقة"، بحسب ما نشره موقع المفوضية الأوروبية (European Commission)، في قسم السياسة الذي ينظم علاقة الاتحاد الأوروبي بجيرانه.
والقاربان ضمن حزمة جديدة، بحسب بيانات اطلع عليها "العربي الجديد"، شملت تجهيز سفن الإنقاذ والبحث والمركبات والمعدات الأخرى لخفر السواحل والبحرية التونسية، وحماية المهاجرين في تونس بالتعاون مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وتنفيذ عمليات العودة وإعادة الإدماج من تونس إلى بلدان الأصل بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة (IOM). كما يشمل البرنامج توفير سفن جديدة، وكاميرات حرارية، ودعم عملي آخر، إلى جانب التدريب اللازم. ورغم حديث الاتحاد الأوروبي عن تزويد تونس بكاميرات حرارية ومعدات مراقبة متطورة، لم تُحدَّد في البيانات الرسمية أعداد هذه الكاميرات أو طبيعتها التقنية بشكل دقيق.
برنامج إدارة الحدود
غياب آليات الرقابة
بعيدا عن الخطاب الرسمي، تكشف الشهادات الميدانية عن واقع أكثر قتامة والحديث للنائب التونسي السابق (2019-2021) عن المهاجرين إلى إيطاليا والناشط المتخصص في قضايا الهجرة مجدي الكرباعي، قائلا لـ"العربي الجديد"، رصدت خلال عملي بالتعاون مع عدة منظمات حقوقية أدلة تُظهر تعرّض مهاجرين لاعتداءات خطيرة، سواء في عرض البحر أو بعد احتجازهم، وهذه الانتهاكات ترتبط بغياب آليات رقابة فعالة داخل تونس تضمن حماية حقوق المهاجرين واللاجئين، ويضيف أن الاتحاد الأوروبي نقل عمليا مهمة ضبط الحدود إلى السلطات التونسية، دون إرساء ضمانات كافية لاحترام الحقوق، فضلا عن تصنيف تونس "منطقة آمنة"، بما يتيح إعادة المهاجرين إليها رغم المخاطر التي قد يواجهونها.
يؤكد ما سبق مقاطع مصورة حصلت عليها معدة التحقيق من خلال مهاجرين، وتُظهر قارباً تابعاً للحرس البحري التونسي بينما ينفذ عمليات مطاردة عالية السرعة لقارب ثان يقل عشرات المهاجرين قبالة سواحل محافظة المهدية خلال أكتوبر 2024، وانتهت بإعادتهم إلى اليابسة، قبل ترحيلهم لاحقاً نحو الحدود التونسية الجزائرية.
ولا ينحصر تعريض حياة المهاجرين غير النظاميين للخطر في عمليات الملاحقة واحتمالات انقلاب القوارب في عرض البحر، إذ أن تعليق الاتحاد الأوروبي عمليات البحث والإنقاذ في مياه المتوسط منذ عام 2019 كان جزءاً من الخطة، بحسب بن عمر موضحاً: في السنوات الأخيرة، أوكل الاتحاد الأوروبي إلى السلطات التونسية كل شيء في عملية منع وصول المهاجرين إلى حدوده، وهو ما انعكس على تغيّر تعامل الوحدات التونسية معهم. فبعد أن كان المهاجرون يرون في الوحدات الأمنية التونسية مصدر أمان، باتوا اليوم يعتبرونها مصدر خطر يهدد حياتهم عقب تغير السرديات تدريجياً مع الوقت، وأصبحنا نرصد شهادات ومقاطع فيديو توثق قيام الحرس البحري التونسي في مرات عديدة بمناورات خطيرة لإجبار مراكب الحراقة (المهاجرين) على التوقف، مثل صَدم المحركات والقوارب واستعمال العصي والغاز المسيل للدموع والضرب بالعصيّ والمطاردة عالية السرعة.
يشير رمضان بن عمر إلى أن هذه الممارسات تسببت في مآسٍ عديدة وحالات غرق مفجعة وثّقتها تقارير حقوقية على غرار حادثة غرق قاربين في جرجيس عام 2011 و2022. ووفق توضيحه، فإن السلطات التونسية لم تنكر وقوع مآسٍ وتصفها بالممارسات الفردية. إلا أنه في المحصلة تؤكد الواقع المرصودة استمرار التعامل مع قوارب المهاجرين بشكل يخالف لقوانين حقوق الإنسان، نتيجة لانخراط تونس المتواصل مع الاتحاد الأوروبي، وبلغ الأمر أن صارت القوات المسؤولة عن تلك الأعمال تمارس جهودا منهجية لإتلاف الأدلة التي يمكن أن تدينها لذلك تصادر هواتف المهاجرين.
ردا على التحقيق، وضحايا علاقة التواطؤ بين الاتحاد الأوروبي وتونس، تصرّ المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، باولا بينهو، على أن "موقف المفوضية الأوروبية واضح ويعتمد نهجا يقوم على حقوق الإنسان وإدارة الهجرة من المنطلق هذا"، مؤكدة أن الاحترام الكامل لحقوق الإنسان وكرامة جميع المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء يعد مبدأ أساسيا في سياسات الهجرة، وفق الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي"، وفي ما يتعلق بحوادث غرق قوارب المهاجرين التي تكررت قبالة السواحل التونسية، اعتبرت أن "الحدث المأساوي" يؤكد، مرة أخرى، ضرورة تكثيف الجهود المشتركة مع الشركاء، من بينهم تونس، لمنع الرحلات الخطرة ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين الإجرامية التي تعرض حياة الأشخاص للخطر.