فنانون حول إبستين... نجوم في بريد الظلام

06 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 10:05 (توقيت القدس)
يبرز اسما المخرج وودي آلن وزوجته سون-يي بريفين في الوثائق (إليسابيتّا إيه. فيا / Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تكشف الوثائق عن علاقات معقدة بين جيفري إبستين وشخصيات بارزة في الفن والثقافة، مثل وودي آلن وزوجته، مع لقاءات وسفرات مشتركة ورسائل مثيرة للجدل، مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه العلاقات وتأثيرها.
- تتضمن الوثائق صوراً وسجلات تربط إبستين بشخصيات هوليوودية مثل بريت راتنر وباري جوزيفسون، وتظهر صور لمشاهير الموسيقى مثل مايكل جاكسون وديانا روس، مما يثير الجدل حول استخدام إبستين لعلاقاته لتعزيز صورته.
- توضح الوثائق استغلال إبستين لثروته واتصالاته لجذب الفنانين، مقدماً لهم فرصاً للوصول إلى القوة والمال، مما وفر غطاءً لجرائمه وعكس تقاطع النجومية مع الجريمة.

لا يعني وجود اسم أي شخص في وثائق إبستين تورّطه في الانتهاكات والجرائم الجنسية التي مُورست على جزيرة رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين (1953 - 2019). قد يكون صاحب الاسم ضيفاً، أو على علاقة بعيدة معه، ولم يعلم بأي مما حدث على جزيرته، لكن بات يكفي أن يُقال إنّ ممثلاً أو كوميدياً أو مخرجاً، أو أي عامل في القطاع الفني والثقافي، ورد اسمه في الوثائق، لتبدأ التساؤلات والشبهات تدور حوله.

تتزايد هذه الضغوط مع استمرار الكشف عن ملايين الصفحات من الوثائق الرسمية، التي تشمل صوراً ومراسلات وسجلات طيران، إذ بلغت الدفعة الأخيرة التي أُفرج عنها في مطلع عام 2026 نحو ثلاثة ملايين صفحة.

في طليعة الأسماء الفنية التي تكرّر ظهورها في السجلات الأخيرة، يبرز المخرج السينمائي وودي آلن وزوجته سون-يي بريفين. تكشف الوثائق أن العلاقة لم تكن مجرد تعارف عابر، بل كانت صلة اجتماعية وثيقة، استمرت لسنوات طويلة، حتى بعد إدانة إبستين الأولى في عام 2008. تظهر السجلات المفرج عنها ما يقرب من 100 لقاء مجدول بين آلن وإبستين في الفترة ما بين 2014 و2019، وغالباً ما كانت زوجته بريفين حاضرة في هذه اللقاءات.

توضح رسائل البريد الإلكتروني أن إبستين كان يتردد على مركز مانهاتن للأفلام لمشاهدة آلن وهو يعدّل على أفلامه ويُمنتجها، بل إن آلن قدم دروساً في مونتاج الأفلام لإبستين وآخرين. تشير سجلات الطيران إلى سفر آلن وبريفين مع إبستين في طائرته الخاصة تسع مرات على الأقل، بما في ذلك رحلات إلى مزرعته في نيو مكسيكو ومنزله في بالم بيتش. ورغم هذه الكثافة في اللقاءات، أكد آلن دائماً أن لقاءاته كانت اجتماعية بحتة، وأنه لم يلحظ أي سلوك غير قانوني.

الصورة
تاكر
الممثل كريس تاكر والمخرج بريت راتنر (تود ويليامسون / Getty)

وقد كشفت الوثائق أن سون-يي بريفين تبادلت رسائل إلكترونية مع جيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية، انتقدت فيها بشدة حركة مي تو، معتبرة أنها "تمادت كثيراً". أظهرت الرسائل مهاجمة بريفين فتاة قاصرة كانت محور قضية تبادل رسائل ذات طابع جنسي، ووصفتها بعبارات مهينة، في مقابل التقليل من مسؤولية عضو كونغرس أميركي سابق أُدين وسُجن بسبب تواصله غير القانوني مع القاصرة نفسها.

ومما كشفته الوثائق أيضاً، أن إبستين ساعد عائلة وودي آلن في التقديم على الجامعة لابنته، وذلك من خلال ربط العائلة برئيس كلية بارد، ليون بوتشتاين، الذي كان يعرف إبستين. وفقاً لهذه الرسائل، اتصل إبستين ببوتشتاين في عام 2016 وأخبره أن ابنة المخرج، بيشيت ألن، كانت تفكر في الالتحاق بكلية بارد. في المقابل، رحّب بوتشتاين بمساعدتهم في الترتيب لزيارة الجامعة والتواصل معهم. لاحقاً، حضرت بيشيت بارد وتخرجت منها في مايو/أيار 2021.

في إحدى الرسائل، التي يعود تاريخها إلى 11 يناير/كانون الثاني 2017، عبر أحد أفراد العائلة عن شكرهم لإبستين: "لا أستطيع أن أشكرك بما فيه الكفاية لأنك ساعدت بيشيت في دخول بارد".  يبدو أن بيشيتلم تكن تعلم أن عائلتها كانت تطلب هذا النوع من المساعدة قبل قبولها، إذ أضاف الشخص المرسل أنه من الأفضل أن تواجه صعوبة في القبول من دون أن تعرف مسبقاً أن شخصاً ما يساعدها.

الصورة
كيفين سبيسي
مرّ اسم كيفين سبيسي عبر بوابة "العمل الإنساني" (Getty)

بدوره، نفى متحدث باسم كلية بارد أن يكون لإبستين تأثير في قبول ابنة ألن في الكلية، مؤكِّداً أن القبول كان "على أساس مؤهلاتها الشخصية".

من جهة أخرى، عادت الشبهات لتحيط بالمخرج بريت راتنر، صاحب وثائقي "ميلانيا" الذي صدر أخيراً، إذ نُشرت صور له ضمن وثائق وزارة العدل في ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026. تظهر هذه الصور راتنر وهو يجلس على أريكة بجانب إبستين محتضناً فتاة، وفي صور أخرى يظهر مع جان-لوك برونيل، الشريك المقرب من إبستين، والمتهم بتسهيل عمليات الاتجار بالبشر.

تأتي هذه الوثائق لتزيد من تعقيد موقف راتنر الذي واجه سابقاً اتهامات بالتحرش، وجّهتها عدة ممثلات، ونفى أخيراً أي تورط له في أنشطة إبستين غير القانونية، واصفاً الادعاءات بالفظاعة. وبالمثل، ورد اسم المنتج السينمائي باري جوزيفسون، منتج مسلسل Bones، في سياق الوثائق المرتبطة بعلاقات إبستين في هوليوود، ما يسلط الضوء على عمق تغلغل إبستين في أوساط الإنتاج السينمائي الكبرى.

الصورة
مايكل جاكسون
تُظهر إحدى الصور مايكل جاكسون في أحد ممتلكات إبستين (ميك هوتسون / Getty)

في عالم الموسيقى، تضمنت الصور التي التقطها مكتب التحقيقات الفيدرالي في منازل إبستين وجوهاً بارزة جداً، من بينهم مايكل جاكسون وديانا روس. تظهر إحدى الصور غير المؤرخة مايكل جاكسون وديانا روس وهما يقفان مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون، ويبدو أنها التقطت في أحد ممتلكات إبستين، أو خلال مناسبة اجتماعية مرتبطة به.

ورغم ضجيج هذه الصور، فإن السجلات لم تقدم دليلاً على تورط جاكسون أو روس في أي من الانتهاكات، بل إن الحارس الشخصي السابق لجاكسون انتقد طريقة عرض الصور ووصفها بالمضللة. وظهر اسم ميك جاغر، مغني فرقة "رولينغ ستونز"، في صور وسجلات مرتبطة بشبكة إبستين، لكن من دون توجيه اتهامات مباشرة لأي فعل جرمي، إذ كانت شبكة إبستين تعتمد على جذب النجوم، لتعزيز صورتها العامة.

الممثل كيفين سبيسي، والكوميدي كريس تاكر، يمثلان حالة أخرى من حالات "المرور بالوثائق"، عبر بوابة "العمل الإنساني". ففي عام 2002، سافر سبيسي وتاكر مع إبستين وبيل كلينتون إلى أفريقيا في رحلة قيل إنها تهدف إلى مكافحة وباء الإيدز.

تظهر سجلات الطيران وجودهما على متن طائرة إبستين الخاصة. سبيسي من جانبه كان قد دعا في عام 2025 إلى الكشف الكامل عن الملفات، مؤكداً أنه ليس لديه ما يخشاه، بينما أكدت السجلات وجود اسم كريس تاكر في دفتر الاتصالات الشخصي الخاص بإبستين. في المقابل، نأت الكاتبة جي كي رولينغ بنفسها تماماً عن هذه الدائرة، إذ أصدرت نفياً قاطعاً حول ما تردد عن دعوتها إبستين لحضور عرض افتتاحي لـ"هاري بوتر"، مؤكدة أن ورود اسمها في الملفات جاء في سياق استفسارات أو شائعات نُفيت رسمياً.

لعلّ السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: لماذا يخاطر هؤلاء النجوم بسمعتهم من أجل علاقة مع شخص مثل إبستين؟ الإجابة تكمن في طبيعة "النخبة" التي شكلها إبستين، فكان يوفر للمبدعين والفنانين وصولاً سهلاً إلى مصادر القوة والمال، إذ استخدم ثروته الهائلة واتصالاته السياسية لجذب الفنانين الذين يبحثون دائماً عن تمويل لمشاريعهم، أو تأثير اجتماعي أوسع. بالنسبة إلى العديد من هؤلاء، لم تكن الشبهات الأخلاقية كافية للابتعاد، طالما أن "البريق" الذي يوفره الوجود في طائرة إبستين أو جزيرته يمنحهم شعوراً بالانتماء إلى طبقة فوق القانون.

علاوة على ذلك، تكشف الوثائق عن ثقافة التجاهل المتعمّد في أوساط النخبة الفنية؛ فوجود فتيات صغيرات، أو سلوكيات غريبة، لم يكن يدفع الكثيرين إلى التحقيق أو الانسحاب، خاصة أن إبستين كان يحيط نفسه بشخصيات مرموقة، تجعل التشكيك فيه يبدو وكأنه تشكيك في المنظومة كاملة.

سمح هذا لإبستين بالاستمرار في استدراج النجوم واستخدامهم غطاءً لجرائمه، فوجود ممثل مشهور أو مخرج عالمي في ضيافته كان يعطيه شرعية زائفة أمام الضحايا وأمام المجتمع.

هكذا، يظهر جلياً أن القطاع الفني كان جزءاً لا يتجزأ من إمبراطورية العلاقات التي بناها جيفري إبستين. وسواء كان حضور هؤلاء الفنانين عابراً في صورة، أو مكثفاً في لقاءات مونتاج وسفر، فإن الوثائق المفرج عنها تضع هوليوود وعالم الموسيقى والفن أمام مرآة قاسية تكشف كيف يمكن للنجومية أن تتقاطع مع عوالم الجريمة المظلمة، تحت غطاء الصداقة والعمل الإنساني والتبادل الثقافي.