زياد غرسة... أقوَم المسالك بين القوالب الموسيقية التونسية
- يحرص زياد غرسة على التوازن بين التراث والتجديد بإدخال إيقاعات صوفية واستخدام قالب "الكوكتيل" الذي يجمع بين الأغاني التونسية والمالوف، مما يخلق تجربة موسيقية متكاملة.
- يسعى زياد غرسة لضمان استمرارية الإرث الموسيقي عبر الأجيال بمشاركة ابنه عبد الرؤوف، مما يعكس رؤيته لمستقبل الموسيقى التونسية كفن معاصر ومتجدد.
كيف يمكن لذاكرة موسيقية خرجت من الأندلس جاعلةً من الفقد والهجر والانتظار أبرز مفرداتها، أن تتعايش اليوم مع سياق تهيمن فيه ثقافة الاستهلاك الفرجوي السريع؟ كيف يستطيع المالوف، الامتداد التونسي للموسيقى الأندلسية، وقد شُيّد على جزالة النغم وتوقّع الإصغاء أن يعيش في زمن ينتصر للإيقاعات التي يتطلبها الرقص؟ يقف الفنان التونسي زياد غرسة في قلب هذا التجاذب، فهو يصر على الحفاظ على المالوف وتقاليده، أداءً لتراثه وتأليفاً موسيقياً ضمنه، ويحرص أيضاً على أن يُرضي جمهور المهرجانات، ولا يكاد يخلو عرض من عروضه من تنازع حاد بين التوجّهين، ومنه حفله الأخير، مساء الأحد في 2 أغسطس/ آب الحالي، على مسرح سيدي ظاهر في سوسة.
يأتي جمهور زياد غرسة وهو يعلم أنّه يواجه فناناً يحفظ الذاكرة الموسيقية لبلاده، فعلى مدى مسيرته مرّ من بين أنامله كل ما حفظه التدوين الموسيقي في تونس، وردّدت حنجرته معظم ما استقر في أسماع التونسيين، وهو من القلائل الذين ينتقلون بين الألوان الموسيقية، وبين الآلات أيضاً، بتوفيق. إلّا تلك القوالب التي جاءت مستوردة في العقود الأخيرة.
افتتح زياد غرسة سهرته بالموسيقى، خالصة صافية دون الكلمة، حين عزفت فرقته "بشرف سماعي رصد الذيل". وقد تحدّث الفنان التونسي إلى الجمهور لتفسير جماليات هذا القالب وتاريخه، شارحاً كيف التقت في تونس مؤثرات أندلسية وتركية حتى شكلته بدايات القرن الـ19 مع صعود الحسينيين لحكم تونس. وبشكل أوسع، كانت تعليقات الفنان التونسي في معظمها محاولات لتسريب ثقافة موسيقية تؤطّر تلقي الأعمال التي يقترحها، منوّهاً بشكل خاص بالقوالب التي تطوّرت في تونس، ضمن المالوف خصوصاً، وهو بذلك يظهر اهتماماً نادراً بالتاريخ الموسيقي، ويجعل منه نصّاً موازياً أو مرافقاً للمادة السمعية التي يقترحها على جمهوره.
وأشار الفنان التونسي وهو يقدّم المقطوعة الثانية ضمن قالب الفوندو إلى أنه أدخل على ما جرت عليه العادة للتأليف وفق هذه الصيغة إيقاعات مستلهمة من الموسيقى الصوفية عبر دمج آلة البندير الإيقاعية، وهي إشارة منه بأن الوفاء للتراث لا يعني الامتناع عن لمسه، بل على العكس، هو معرفة أسرار التدخل في نصه دون كسر الحكاية التي يرويها.
يعلم زياد غرسة أن السياق الذي نشأ فيه المالوف لم يعد موجوداً. لم تعد هناك المجالس التي تسمح للوصلة بأن تمتد ساعات. ولقد ابتكرت الحياة الحديثة شكل تلقٍّ آخر وكرّسته الميديا تكريساً: الحفل المهرجاني، وعلى الفنان أن يصوغ مادته وفق شروطه، وبالتالي يبدو هو الآخر قالباً يعيد تشكيل الموسيقى حين تمرّ عبره. المطلوب أن يصنع الفنان ذروة تلو أخرى محافظاً على انتباه الجمهور على مدى ساعتين تقريباً. الأولوية هنا لمبدأ الترفيه: يريد الجمهور أن يشعر بأنه شارك بجسده، لا بأذنه فقط. فإذا أضاف الفنان بعد ذلك شيئاً من جودة السماع والثقافة الموسيقية والانشراح فيا حبّذا. وهنا يبدأ شكل من المفاوضة الدقيقة التي يقوم بها زياد غرسة مع جمهوره. في حفل سوسة، قالها بشيء من التصريح بعد أداء مقطع من تأليفه: "آخذ نصيبي في البداية".
يحدث هذا الانتقال داخل فضاء المالوف أيضاً، ففيه مقاطع إيقاعية يمكن التقاطها وترتيبها بحيث تكون خيطاً يربط بين قواعد السماع في أزمنة متباعدة، ومنها مقاطع من "ناعورة الطبوع"، وخصوصاً عند أداء "أليف يا سلطاني" حيث يتسارع الإيقاع من شطر إلى آخر. لدقائق بدا المسرح وكأنه ارتقى مصعداً منتقلاً من السماع إلى "الحفلة". وفي الحقيقة، ليس المالوف استثناءً في إرضاء الجمهور في أيامنا، فقد حدث الأمر ذاته في تونس وبشكل أوسع مع الموسيقى الصوفية (الحضرة، الزيارة…) وغيرها من الأشكال.
لكن الضمانة التي يقدّمها زياد غرسة هو أن الذهاب نحو متطلبات "الحفل" لا تكون بتخلي التراث عن جوهره بشكل مطلق. هناك شعرة لا تنقطع بين الفنان والجمهور، إذا مدوها أرخاها، وإذا أرخوها مدّها. وبما أن الأمر بدا مثل مفاوضة صريحة، فمن المعلوم أن المفاوض الجيد لا يخرج منتصراً بالكامل، ولا مهزوماً بالكامل، إذ يتنازل كي يحافظ على ما هو جوهري في الفن.
لأجل هذه اللعبة، تطوّر في السنوات الأخيرة قالب لا يحتكره زياد غرسة، ولكنه من أبرز مطوّريه: قالب الكوكتيل. مجموعة من الأغاني المتجانسة إيقاعياً وثيمياً تغنى في وصلة واحدة. هنا أدى زياد غرسة أغاني من أشهر الأعمال التونسية مثل "اللي تعدى وفات" و"بحذا حبيبتي" و"وهذي غناية جديدة"، وهو اختيارات تمسح تاريخ الأغنية التونسية المعاصر تقريباً. يطعّم غرسة هذه الأغاني المتلاحقة أحياناً بمقاطع من المالوف، أو من أغانيه الخاصة مثل "علاش تحير فيا" و"يا نهار البارح"، وصولاً إلى أغنيته الجماهيرية "ترهويجة" وعندها تكون مدارج المسرح قد اشتعلت رقصاً.
وكعادته، ختم الفنان التونسي عرضه بأداء أغانٍ من تلحين والده الطاهر غرسة، مثل "عزيّز قلبي" و"المقياس". وإلى جانب هذا البعد الاستعادي، يحضر عبد الرؤوف غرسة، نجل الفنان، عازفاً على العود ومؤدياً لبعض المقاطع، ما يشير إلى استمرار الإرث الموسيقي لأسرة غرسة لجيل ثالث. وفي ذلك ما يطمئن على مستقبل الموسيقى التونسية المتشبثة بأصالتها. فالإشكال اليوم ليس في حفظ المالوف أو غيره من الأشكال الموسيقية التقليدية من الاندثار؛ فالتسجيلات متوفرة، والمعاهد قائمة، ومنها أكاديمية أسّسها زياد غرسة. يكمن التحدي في مستوى أكثر تعقيداً: كيف يصبح هذا الفن معاصراً لنا، ليس بشرطه أن تكون هذه المعاصرة تنازلاً نحو ما انحدر إليه الذوق العام، فقد تصبح العودة إلى المنابع الصافية للمالوف مستحيلة ذات جيل. الأهم هو الإجابة عن سؤال: كيف تجد هذه الموسيقى أسباباً جديدة للإنصات إليها؟