تصل ليليا إلى مدينة سوسة، وتُودِع متحسّرة صديقتها الفرنسية في فندق، يبدو فخماً، وتغادر إلى بيت العائلة، فتصل في الوقت المناسب تماماً لحضور مراسم جنازة خالها، الذي تقبّله قبل مغادرته هذا المكان الساحر بخضرته وأضوائه وحميميته، وأسراره.
يثير "بيّت الحسّ" (2026)، ثالث روائي طويل للتونسية ليلى بوزيد، آمالاً عريضة في بدايته: أجواء وقصص يُخمَّن أنها عن أحوالِ عائدةٍ إلى وطنها الأمّ، وتغيرات طرأت عليها وعلى عائلتها، ونظرة جديدة تصوبها نحو ما تركت، وإحياء ذكريات، واسترجاع ماضٍ بعد غياب. تمهّد لهذا الأمّ وحيدة (هيام عباس، لم تكن في أفضل أحوالها)، التي تقابلها بعتاب خجول عن انقطاع طال قليلاً، فلا ردود ولا تواصل منها. تبرّر ليليا (آية بوترعة) ذلك بالانشغال، فهي في فرنسا لا في بلد يُتيح للمرء فراغاً في يومه للتواصل مع العائلة.
مشاهد أولى مع شخصيات محصّنة بأسرار، وسرد بإيقاع سريع ميّزه مزج آسر بلغته البصرية الضوئية، ومؤثراته الصوتية المتداخلة بين الماضي والحاضر. فبينما تصعد ليليا درج البيت، وتصل إلى الصالة، تعبر خيالها صُوَر طفولتها في أرجائه. وبينما تتردّد أصوات مرحة لصغار من الماضي، ينشد منشدون أدعية الوداع الأبدي للخال الراحل. البيت العائلي قديم. يتجلى هذا بأثاثه وإضاءته. الأثاث كأنه ديكور أصلي لشَبَهٍ شديد ببيوت الأجداد. أسرّة عدة في غرفة واحدة، وديوان قرب النافذة تستقر عليه الجدة (سلمى بكار) بكل هيبتها ونقّها الدائم، وانتقاداتها للجميع. صورة واقعية، تفعل فعلَها في القلوب. لعل بوزيد استوحتها من واقع عاشته، لصدقها، وهذا الحنان الذي تثيره. في البيت، هناك أيضاً الخالة (فريال شماري) وأم ليليا: ثلاثة أجيال من النساء فقط. فزوج الخالة رحل هو الآخر، وكان خائناً وسكّيراً وأشياء تُلصق بالرجال عادة، والأم مطلّقة. مع رحيل الخال، لن يطرأ الكثير على إدارة العائلة في هذا البيت "الأمومي" بجدارة.
تبدأ الحبكة مع وصول الشرطة للتحقيق في الوفاة الغامضة للخال، فتنتبه ليليا إلى أمور كثيرة محفوظة بعناية في العائلة. فالخال مثلي الجنس مثلها، أو هي مثله. فهل الأمر بالوراثة، أم مصادفة؟ أياً يكن، فلن تكون الحبكة أكثر تشويقاً ومتانة بهذا الخبر. مع ذلك، التركيز مضاعف على المثلية، بل هذا يقضي عليها، ويقرّب من جعل البداية شبه نهاية. فمن هذه اللحظة، يُبنى الفيلم على تحقيقٍ تتابعه ليليا عن ظروف موت خالها، وطرح تساؤلات عن كيفية عيش أصحاب ميول جنسية "غير مقبولة" في بلدان العالم الأخرى (غير الغرب)، أو لا يُنظر إليها باستحسان، على الأقل. كيف لهؤلاء أن يدبّروا شؤونهم ورغباتهم؟ في هذه المسيرة، كل شيء يسير وفق منهج تقليدي، يمكن التنبؤ به. شخصية ليليا ابتُدِعت لتوضيح نيات بوزيد، وإعطاء دروس في القبول والتعاطف، وكسر أحد المحرّمات، ومحاربة رهاب المثلية.
"بيّت الحسّ" طرح، منذ البداية، أربعة مواضيع اجتماعية، كلّ منها قابل للمعالجة الدقيقة والمعقّدة، فضّل السيناريو (بوزيد) تحقيق غرض واحد منها فقط. فالصعوبات التي يواجهها المهاجرون، في إعادة الاندماج بوطنهم الأم، حيث أصبحوا أشبه بالغريبين، اقتصرت على المثلية الجنسية. والأوضاع الأسرية المعقّدة في العائلات العربية، حيث لا يمنع دفء العلاقات التوتر والمشاحنات، وحيث تطفو على السطح دائماً ضغائن عائلية قديمة، باتت هنا مسألة محدودة بالمثلية الجنسية (مثلية الخال، ثم مواجهة ليليا لأمها بهذا الأمر). بينما علاقات الأمهات ببناتهن، خصوصاً في المجتمع العربي، أسهل تقليدياً من علاقات الأمهات بأبنائهن، أو بين الآباء وبناتهم. كذلك بدت حياة الشباب التونسيين، الذين يعتبرون أنفسهم غير ملتزمين بالتقاليد، في نوادي المثليين لا في المكتبات، أو استديوهات الفنانين، أو الأوساط الأدبية والموسيقية والمسرحية.
كل شيء يبدأ وينتهي ويُختزل بالمثلية الجنسية، وصعوبة مواجهتها في المجتمعات المحافظة. مؤكّد أن الموضوع جيد للحصول على منحٍ غربية وجوائز في مهرجانات دولية.
لكن نظرة الفيلم إلى القضية الاجتماعية برمتها من هذا المنظور الأحادي تبسيط مُخلٌّ، يُظهر مشكلة يبدو أن كاتبة السيناريو لم تُدركها. هذا يُؤدي إلى عدم التعاطف مع أولئك الذين لم يكن تجاههم أي عداء سابقاً. الأفلام التي تتناول، بكثرة هذه الأيام، المثلية الجنسية، تنتهي بأن تُثير الاستياء نفسه الذي تُثيره أفلام تتناول القضايا نفسها دائماً (منها معاناة اليهود). قد يُقال: "حسناً. لكن، أليست هناك قضايا أخرى؟". هكذا انتهى الأمر بدعاية مجتمع الميم إلى إثارة ردود فعل عنيفة ضد المُنخرطين به، في بلدان كانت تُقبل فيها أو تُعامل بقدر من اللامبالاة. حتى بداية هذا القرن، أي شخصٍ لديه أدنى خبرة بالعالم يُدرك أن النظرة إلى المثلية الجنسية كانت أكثر تسامحاً في الدول العربية منها في أي مكان آخر. في الدول الأفريقية، تُعدّ القوانين المناهضة للمثليين حديثة جداً، لأنها رد فعل مباشر على الضغوط الغربية، وهذه حديثة أيضاً.
نهاية "بيّت الحسّ" سعيدة، إذْ تُقبل علاقة ليليا بأليس (ماريون باربو في أداء ممتاز بتعبيره عن الارتباك في مجتمع غريب ومحافظ)، وتُكوّن امرأتان مثليتان عائلة مع طفل مجهول الأصل، ويعيش الجميع في ثبات ونبات. هذه دعوة صريحة إلى تقليد نمط حياة، يُفترض به أنه غربي، ويُقدَّم نموذجاً يُحتذى به. إنه تجلٍّ للاستعمار الجديد في أبشع صوره: الغرب يُرشد البشرية المتخلّفة. إذا عرف الفيلم رواجاً في الدول العربية، وهذا مستبعد، ماذا سيستنتجون منه؟
العيش في أوروبا يجعل المرء مثلياً، والأسر أحادية الجنس شائعة هناك. هذا بعيد عن الحقيقة، بل غير صحيح، حتى في الدائرة الضيقة التي تُقرّر الأفلام المستحقة أن تُدعم. في فرنسا، تبلغ نسبة الأزواج المثليين 0.8 بالمائة، مقارنة بنسبة 99.2 بالمائة للأزواج المغايرين، وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية.
ربما يقال إنّ مقاومة الاستعمار لا تتحقّق إلا بالتشدّد المحافظ. هذا غير صحيح قطعاً، لكنه سيُعجب الإسلاميين. وهم، إن كانوا أذكياء، سيجهدون في ترويج هذا الفيلم، الذي يُقدّم حججاً قوية لمصلحتهم.