استمع إلى الملخص
- أثار خطابه جدلاً في الإعلام اليميني الأميركي، لكن مفوض الرابطة الوطنية لكرة القدم دافع عن اختياره لعرض السوبربول، مشيداً بقدرته على توحيد الناس.
- ألبومه "كان يجب أن ألتقط مزيداً من الصور" يعكس قضايا سياسية واجتماعية، ويؤكد على أهمية الهوية الثقافية والغناء بالإسبانية.
"قبل أن أقول: أشكر الله، أقول: ارحلوا يا آيس (ICE). نحن لسنا وحوشاً، لسنا حيوانات، لسنا غرباء، نحن بشر ونحن أميركيون". بهذه الكلمات، افتتح المغني البورتوريكي باد باني (بينيتو أنتونيو مارتينيز أوكاسيو) خطابه التاريخي (الأول من فبراير/شباط 2026)، عند تسلّمه جائزة غرامي لألبوم العام عن عمله الاستثنائي "كان يجب أن ألتقط مزيداً من الصور" (DeBÍ TiRAR MáS FOToS).
لم تكن هذه الكلمات مجرد عبارات تُلقى في ليلة احتفالية، بل كانت بياناً سياسياً وإنسانياً حاداً وجّهه الفنان إلى سياسات الهجرة الأميركية، وتحديداً إدارة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، معيداً تعريف دور الفنان اللاتيني في قلب المشهد الثقافي الأميركي.
جاء فوز باد باني بجائزة ألبوم العام ليمثّل لحظة فاصلة في تاريخ الأكاديمية الوطنية لتسجيل الفنون والعلوم، التي طالما واجهت انتقادات بتهميش الفنانين غير الناطقين بالإنكليزية؛ فهو أول فنان في تاريخ جوائز غرامي الممتد على مدى نحو سبعة عقود، يفوز بجائزة ألبوم العام عن عمل غنائي باللغة الإسبانية.
ولكن، بعيداً عن بريق الجائزة، حمل خطاب باد باني دلالات عميقة تتجاوز الموسيقى؛ فهي صرخة احتجاج ضد ما وصفه بـ"العسكرة الخبيثة" للحدود والتعامل غير الإنساني مع المهاجرين، من خلال استخدامه مصطلح "نحن أميركيون"، لم يكن باد باني يتحدث عن الجنسية بالمعنى القانوني الضيق فحسب، بل كان يستعيد الهوية القارية لأميركا اللاتينية، مذكّراً العالم بأن بورتوريكو واللاتينيين هم جزء أصيل من نسيج هذه الأرض، وليسوا "غرباء" أو "حيوانات"، كما تصوّرهم بعض الخطابات السياسية اليمينية.
هذا الموقف الصريح فجّر موجة من الهجوم الشرس الذي شنّه الإعلام اليميني والمحافظ في الولايات المتحدة الأميركية. فقد اعتبرت أصوات، مثل سكرتيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، أن تصريحات باد باني تمثّل إهانة للمؤسسات الأميركية، محذرة من أن عملاء "آيس" سيكونون "في كل مكان" خلال مباراة السوبربول المرتقبة في التاسع من فبراير/شباط الحالي، والتي سيحيي باد باني فقرة استراحة ما بين الشوطين فيها.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصف مستشار الأمن الداخلي، كوري ليفاندوفسكي، اختيار الرابطة الوطنية لكرة القدم (NFL) لباد باني بأنه قرار "مخز"، مدعياً أن الفنان "يكره أميركا". هذه الهجمات غذّت دعوات كثيرة للمقاطعة، إذ يرى المحافظون أن تقديم عرض غنائي كامل باللغة الإسبانية في أهم حدث رياضي أميركي هو بمثابة "غزو ثقافي".
بدوره، وفي حديثه إلى الصحافيين، في مدينة سانتا كلارا، قال مفوض الرابطة الوطنية لكرة القدم، روجر غوديل، على خطاب المغني في حفل غرامي: "أعتقد أن ما أظهره باد باني يثبت أنه واحد من أعظم الفنانين على مستوى العالم، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتنا نختاره لإحياء عرض استراحة ما بين الشوطين".
أضاف غوديل: "السبب الآخر هو إدراكه التام للمنصة التي يقف عليها؛ فهو يعلم أن هذه المنصة (السوبربول) تُستخدم لتوحيد الناس، وجمعهم معاً من خلال الإبداع والموهبة، لقد فعل فنانون آخرون ذلك في الماضي، وأعتقد أن باد باني يفهم هذا الدور جيداً، ونحن واثقون من أنه سيقدم عرضاً رائعاً".
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، افتتح باد باني الموسم الحادي والخمسين من برنامج Saturday Night Live معبّراً، باللغة الإسبانية، عن فخره بالإنجاز، ثم قال بالإنكليزية: "إذا لم تفهموا ما قلته، فلديكم أربعة أشهر لتتعلموا". والآن، يتسابق المعجبون لتعلّم الإسبانية وبعض المصطلحات العامية البورتوريكية قبل أن يغني في السوبربول، ما يدل على مدى شعبيته وتأثيره في جمهوره.
وبالرغم من هذا الضجيج السياسي، يظل ألبوم "كان يجب أن ألتقط مزيداً من الصور" هو الجوهر الذي يمنح باد باني مشروعيته الثقافية. في هذا الألبوم، الذي وصفه بأنه "الأكثر بورتوريكية" في مسيرته، اختار بينيتو العودة إلى جذوره حرفياً وموسيقياً. فبعد سنوات من العيش في لوس أنجليس ونيويورك تحت أضواء الشهرة العالمية، شعر بحاجة ماسة إلى إعادة الاتصال بأرضه. الألبوم المكوّن من 17 مساراً سُجّل كاملاً في بورتوريكو، وهو يبتعد عن القوالب التجارية الجاهزة ليغوص في الإيقاعات التقليدية مثل "بلينا" (Plena) و"بومبا" (Bomba).
تتجاوز الرسائل في هذا الألبوم مجرد الحنين إلى الماضي؛ فهي تحمل أبعاداً سياسية مغلفة بالاستعارات الإنسانية. في أغنية Bokete (الحفرة) على سبيل المثال، يستخدم باد باني استعارة الحفر المنتشرة في شوارع بورتوريكو ليحكي قصة حب، لكنه في الوقت نفسه يوجه انتقاداً مبطناً إلى المتسببين بإهمال البنية التحتية والفساد السياسي في الجزيرة.
هذا النوع من "الخطوط السياسية التي لا تبدو سياسية للوهلة الأولى" هو ما يميز نضجه الفني في هذه المرحلة. يلتزم الألبوم بدعم الجيل الجديد، إذ تعاون مع طلاب شباب من مدرسة الموسيقى الحرة (Escuela Libre de Música) لإدراج آلات حية وإيقاعات السالسا الأصيلة، مؤكداً أن هدفه هو "زرع بذرة" ومنح الشباب فرصة لاستعراض إيقاعات وطنهم.
يمثّل إصرار باد باني على الغناء باللغة الإسبانية وبلهجة بورتوريكية محلية تحدياً مباشراً لنموذج "الكروس أوفر" التقليدي الذي ساد في التسعينيات. هو يدرك تماماً أن كثيراً من المستمعين، وحتى اللاتينيين، قد تفوتهم بعض المعاني بسبب السلانغ والرموز المحلية، لكن رده على ذلك يأتي بسيطاً ومستفزاً في آن واحد: "أنا لا أهتم".
بالنسبة إليه، الموسيقى هي شعور وتجربة إنسانية قبل أن تكون كلمات مفهومة للجميع. هذا الموقف يعزز من مكانته رمزاً للمقاومة الثقافية، إذ لم يعد الفنان اللاتيني بحاجة إلى الاعتذار عن هويته أو ترجمتها لكي يتقبلها العالم. بهذا، فإن فوز باد باني بجائزة غرامي هو اعتراف بأن الموسيقى الحقيقية هي تلك التي تنبع من الصدق والمواجهة، وليست تلك التي تسعى إلى إرضاء الجميع.