العدوان على لبنان... عيون عربية تنحاز إلى ما تراه

08 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 12:27 (توقيت القدس)
صحافي في موقع غارة إسرائيلية في جزين، 28 مارس 2026 (أحمد قدّورة/ الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يواجه المراسلون العرب في لبنان تحديات فريدة بسبب قربهم الثقافي واللغوي من السكان، مما يسهل الوصول إلى المعلومات، لكنهم يظلون "غرباء" مقارنة بالمراسلين اللبنانيين، مما يتطلب فهماً عميقاً للتركيبة السياسية والاجتماعية.

- التغطية الميدانية في مناطق النزاع تتطلب التكيف السريع مع المخاطر، حيث يكتسب المراسلون خبرة قيمة من الحروب السابقة، ويشمل التحدي التنسيق مع الجهات المحلية وفهم الديناميات السياسية، مع دور حيوي للفيكسر المحلي لضمان السلامة.

- يواجه المراسلون العرب تأثيرات نفسية ومهنية معقدة تتجاوز التغطية التقليدية، حيث يعانون من ضغوط نفسية نتيجة التعرض المستمر للأخبار السيئة، لكنهم يجدون الدعم من زملائهم والمجتمع المحلي لمواصلة العمل في ظروف صعبة.

مع اندلاع العدوان الإسرائيلي على لبنان مطلع مارس/آذار الماضي، تسارعت وتيرة التغطية الإعلامية ودفعت المؤسّسات الإخبارية بمراسليها إلى الميدان لمواكبة تطورات الحرب لحظة بلحظة. على الأرض، تشكّل مشهد صحافي متنوّع يجمع بين مراسلين محليين وآخرين أجانب موزّعين على وكالات دولية وشبكات إخبارية إقليمية وعالمية، مع حضور لافت لمراسلين عرب قدموا من بلدان مختلفة لتغطية الحدث.

وفي حين أن التحدّيات التي تواجه هؤلاء المراسلين العرب قد تتقاطع وتتشابه في أحيانٍ كثيرة مع ما يواجهه أيّ مراسل ميداني آخر، إلّا أن خصوصية موقعهم المهني والإنساني تمنح تجربتهم ملمحاً مختلفاً: قربٌ يُسهّل الوصول إلى الناس، وغربةٌ قد تفرض حدوداً على الإحاطة بمجريات الأحداث وحرية الحركة. يقف هؤلاء في منطقة وسطى بين المراسلين المحليين والأجانب من غير الناطقين بالعربية، فهم من جهة يتشاركون مع السكان في اللغة، كما أنهم أقدر على الإحاطة بالثقافة المحلية من الصحافيين الأجانب، لكنّهم من جهة أخرى يظلّون "غرباء" عن المشهد المحلي السياسي والاجتماعي بالمقارنة مع نظرائهم اللبنانيين.

وتكشف المقابلات مع ثلاثة مراسلين عرب غطّوا الحرب الماضية في العام 2024 ويغطّون الحرب الحالية أن هذه المنطقة الوسطى ليست مجرد وصفٍ نظري بل تظهر يومياً: في التعامل مع الناس، وفي فهم التعقيدات السياسية اللبنانية، وفي مواجهة الخطر، وحتّى خارج ساعات التغطية.

حرب 2024: اختبار تحت النار

كانت حرب الـ66 يوماً في خريف 2024، أوّل صراع عسكري تغطيه مراسلة التلفزيون العربي هديل نماس، ومع اندلاع جولة جديدة من العدوان الإسرائيلي على لبنان في مارس الماضي، لم تتردّد الصحافية الأردنية في العودة من عمّان إلى بيروت من أجل تغطية الأحداث في رحلةٍ بريّة وثقّتها بمقطع على "إنستغرام".

تعتبر نمّاس أن تجربة تغطية الحرب كانت لحظة فارقة في مسيرتها، فهي لم تكن مجرد انتقال مهني إلى نوعٍ جديد من التغطيات، بل شكّلت تحولاً في طريقة فهمها لدورها مراسلةً صحافية. تقول إن حرب غزة كانت لحظة مفصلية بالنسبة إليها، مضيفةً: "عندما وصلت إلى لبنان، وتوجهت للتغطية من الجبهات شعرت بأنّني أؤدّي واجبي".

مراسلة التلفزيون العربي هديل نماس
هديل نماس (من المراسلة)

بخلاف التغطيات اليومية العادية، تختبر التغطية الميدانية في الحرب قدرة الصحافي على التكيّف السريع في بيئة خطرة ومفتوحة على الاحتمالات. بالنسبة إلى نمّاس كانت الحرب الأولى تجربة مهنيّة مهمّة، فهي من جهة أتاحت لها اكتساب معرفة أكبر بلبنان من الناحية الجغرافية وكذلك تركيبته الاجتماعية والسياسية. ومن جهة أخرى، تعلّمت من خلالها كيفية العمل في مناطق النزاع والتحرّك تحت التهديد.

تشير نمّاس إلى أن الصحافي غير اللبناني لا يستطيع أن يكتفي بالوصول إلى مكان الحدث والبدء بالتصوير، بل عليه أن يفهم طبيعة المنطقة التي يعمل فيها وخصوصياتها وتركيباتها السياسية، مشيرةً إلى أنّ "لبنان شديد الخصوصية".

وتوضح أن هذه الخصوصية لا تظهر فقط في المشهد العام، بل أيضاً في تفاصيل العمل الميداني، إذ قد يتطلب التصوير تنسيقاً مع جهات حكومية وحزبية تختلف من منطقة إلى أخرى، على عكس سياقات أخرى تكون فيها الإجراءات أبسط وأكثر مباشرة، كما هو الحال في بلدها الأردن.

تكشف هذه الملاحظة عن فارق أعمق بين المعرفة النظرية والتجربة العملية، فمع أنّ اللغة المشتركة والتقارب الاجتماعي والثقافي يمنحان المراسل العربي بعض الأفضلية، فإنهما لا يغنيان عن خبرة ميدانية تساعده على فهم آليات الحركة والتنسيق، والتعامل مع التحولات التي تفرضها الحرب.

من جهته، يقدّم مراسل تلفزيون العربي أحمد حسين رأياً مشابهاً، بالنسبة إليه لا يكفي أن يقرأ الصحافي عن لبنان ويتابع أخباره ليكوّن فهماً كافياً بالبلاد، منبّهاً إلى "وجود مسافة كبيرة بين المعرفة النظرية وتلك التي تنتج من المعايشة اليومية"، مضيفاً: "مهما كانت معرفتك النظرية عميقة بأحوال لبنان فإنّها لن تتجاوز الـ50%، والـ50% الأخرى ستتعلّمها بالتجربة المباشرة واليومية".

يرى الصحافي المصري أنّ الاحتكاك بالناس والتعرّف إلى وجهات النظر المختلفة يتيحان فهماً أعمق لطبيعة الانقسام السياسي الحاد في لبنان ويساعدان على تقديم تغطية أكثر توازناً. وهو ما يوافق عليه الصحافي المصري المستقل عادل المحروقي.

يشير المراسل، الذي غطى الحرب السابقة، إلى أنّ معرفته بلبنان تكوّنت عبر التراكم والمعايشة أكثر من القراءة وحدها، لافتاً إلى أنه زار بيروت مراراً ما ساعده على تكوين فهم أوسع لطبيعة البلد والصراعات القائمة فيه، بالنسبة إليه "لبنان نموذج مصغّر جداً عن العالم العربي لكن على رقعةٍ جغرافية صغيرة، بما يضمّه من آراء ومواقف سياسية وفكرية واجتماعية شديدة التنوع والتناقض". مع ذلك، لم تغنه المتابعة الطويلة عن التعلّم المباشر في الميدان، خاصةً في ظرف الحرب.

الصحافي المصري عادل المحروقي
عادل المحروقي (من المراسل)

اللغة معبرٌ لبناء الثقة

في أحاديث المراسلين الثلاثة تظهر العربية لغةً مشتركة بوصفها الوسيلة الأولى لبناء الثقة مع السكان المحليين في موقع الحدث. تقول هديل نمّاس إنها لم تواجه أيّ موقف عدائي في تجربتيها الأولى والثانية، مضيفةً: "في كل المناطق التي زرتها خلال التغطية كان الناس مرحبين"، لافتةً إلى أنّ المراسلين غير الناطقين بالعربية القادمين من دول غربية قد يكونون أكثر عرضةً للتشكيك من الناس.

من جهته، يشير أحمد حسين إلى أن جنسية المراسل وهوية المؤسسة الإعلامية التي يعمل لصالحها تؤثّران سلباً أو إيجاباً على كيفية التعامل معه. وتابع: "في تجربتي الشخصية، كوني مصرياً وأعمل في تلفزيون العربي كانا عاملين مساعدين". ويمضي أبعد من ذلك، مشيراً إلى أنّه شعر أحياناً بأنه يُعامل معاملة تفضيلية مقارنة بزملائه اللبنانيين، فقط لأنه مصري وينظر إليه بوصفه ضيفاً في البلد. وفيما يؤكّد عادل المحروقي "حسن الضيافة" في لبنان، يشير إلى دور إتقان اللغة العربية في جعل المراسل أكثر وعياً وإدراكاً بما يجري من حوله، وعلى تماس أكبر مع الناس، كما أنّها مفيدةٌ جداً في حالات الخطر.

في مرمى الخطر

لا تغيّر حفاوة الترحيب هشاشة الموقع الذي يكون فيه المراسل العربي، كغيره من المراسلين الميدانيين. بالنسبة إلى أحمد حسين فإن الفرق الأكبر بين التغطية الميدانية في الحرب وفي الأوقات العادية هو "فكرة الخطر غير المعروف وقته"، موضحاً أن الصحافي قد يكون منهمكاً في تصوير مشهد في موقع يبدو آمناً، ومن ثمّ تقع غارة دون سابق إنذار.

وفي حين يشدّد على أهميّة اتباع قواعد السلامة والحماية الشخصية، إلّا أنه يلفت إلى أنها قد لا تكون كافية في ظل التبدلات المتسارعة في الوضع الميداني، خصوصاً مع استهداف جيش الاحتلال للصحافيين أكثر من مرة.

أما عادل المحروقي فيلفت إلى أن "وجود جانب أمني لا يستهان به" في التغطية الحربية يشكّل فارقاً مهماً مع التغطيات الأخرى. كما أن "الخطط التحريرية كثيراً ما تنهار" تحت ضغط التطورات الآنية. وينبّه إلى أن المخاطر لا تنحصر في التعرض لاستهداف مباشر أو غير مباشر من جيش الاحتلال، ولكنها تشمل العمل في الشارع خلال لحظات الصدمة، حين قد لا يرغب بعض الناس أو الجهات السياسية أو الأمنية بوجود الإعلام، ما قد يضطر المراسل إلى التعامل مع ردات فعل غاضبة وانفعالية.

الخبرة الضرورية

يرى المراسلون الثلاثة أن تجربتهم في الحرب السابقة منحتهم خبرة ضرورية ساعدتهم عند عودتهم لتغطية الجولة الثانية من الحرب. يعترف المحروقي بأن قلّة خبرته في البداية جعلته يجد نفسه أكثر من مرّة في أماكن معرّضة للقصف، لكنّه طوّر لاحقاً متابعته للإنذارات والتحذيرات من مصادرها. كما يشير إلى أنّه صار أكثر درايةً بكيفية إتمام الإجراءات الحكومية والحصول على تراخيص والتنسيق مع الجهات الأمنية والسياسية المختلفة.

وفي حين تشير هديل نمّاس إلى أنها صارت قادرة على التحرّك بمفردها مع المصوّر خلال التغطية، يؤكّد المحروقي أهمية وجود "فيكسر" لبناني، وهو مرافق يتولى مساعدة المراسل في التنقل والتنسيق وفهم تفاصيل المكان، عند العمل في جنوب لبنان أو المناطق الخطرة. ويستعيد تعرّض مبنى قريب من مستشفى كان يصوّر فيه للقصف خلال الحرب الماضية في مدينة صور، والدور الرئيسي الذي لعبته خبرة "الفيكسر" المحلي بالمنطقة لإخراجهم سريعاً من دائرة الخطر.

تختبر التغطية الميدانية قدرة الصحافي على التكيّف السريع مع الخطر

يقول المحروقي إنّه في حين تولى المرافق اللبناني قيادة السيارة عبر الطرقات التي يحفظها عن ظهر قلب، انصبّ تركيزه على التصرّف بعقلانية والحفاظ على تماسك أعضاء الفريق، والامتناع عمّا قد يُفهم استفزازاً من السكان تحت وقع الصدمة، وهو ما جعله حريصاً على عدم التصوير في بعض اللحظات.

هل من حياد في الحرب؟

يعتبر أحمد حسين أن الحفاظ على الحياد في التغطية أمرٌ صعب، مضيفاً: "مع الوقت، يكاد الشعور بالمسافة أن يتلاشى، وفي كثير من الأحيان أشعر أنني لبناني". ويرى أنه مهما حاول الصحافي أن يفصل بين مشاعره الشخصية وبين عمله المهني، فإنه "لن يصمد أمام ما يراه على الأرض" موضحاً: "يمكن الحديث بمهنية وبقدر من التوازن، لكن هذا التوازن لا يكون إلّا منحازاً إلى الإنسان وإلى الإنسانية. فلا يمكن تجميل الواقع أو ليّ الحقائق حين يُخرق القانون الدولي، ويُستهدف المدنيون، وتُرتكب الجرائم بهذا الشكل".

مراسل التلفزيون العربي أحمد حسين
أحمد حسين (من المراسل)

يتابع الصحافي المصري: "أكون في موقع قصف يقول الجيش الإسرائيلي إنه استهدف بنى تحتية تابعة لحزب الله، بينما أجد بين الأنقاض ألعاباً ومؤونة طعام، ودفاتر ورسومات لأطفال كانوا يعيشون في هذا المنزل. عندها، بأي معنى يمكن الحديث عن توازن بالمعنى المجرّد؟" ويجيب: "عندما تكون الحقائق التي تراها أمام عينيك بهذا الوضوح، فإن التوازن الذي نمارسه يتمثل في نقل الوقائع كما هي. وقد يظن البعض أنّ هذا انحياز صارخ إلى طرف أو قضية، لكنّه في الحقيقة انحياز إلى ما نراه بأعيننا: إلى الحقيقة نفسها".

يخوض المراسلون العرب تجربة مهنية تتجاوز قواعد التغطية التقليدية

الحياة خارج التغطية

يُجمع المراسلون على صعوبة الانفصال عن أجواء الحرب حتّى خارج ساعات التغطية، فهم يعيشون ما يعيشه غيرهم من سكان المدينة. وبحسب عادل المحروقي يزداد تحقيق هذا الفصل كلّما كان المراسل أقرب من مكان الخطر، مستعيداً كيف اضطر مع صحافيين آخرين للبقاء طوال أيام في مقرهم الإعلامي جنوبي لبنان نتيجة اشتداد الغارات الإسرائيلية على المنطقة.

أمّا هديل نمّاس فتقول إنها لم تملك وقتاً لتشعر بالفراغ أو الوحدة خارج ساعات العمل، مضيفةً: "شعرت بالاحتواء من عائلات الزملاء الصحافيين الذين يعملون معي، وكوّنت صداقات في كلّ المناطق التي غطيت الأحداث منها في الجنوب والبقاع وبيروت"، وتابعت: "شعوري بالاحتواء لم يكن مجرد تفصيل، بل لعب دوراً مهماً في قدرتي على مواصلة العمل طوال فترة الحرب الماضية والآن في الجولة الثانية من العدوان".

من جهته، يؤكّد أحمد حسين أن الصحافيين الذين يعملون في مناطق الحروب يعانون من ضغوط نفسية كبيرة، نتيجة تعرّضهم المستمر للأخبار السيئة، وما يمرّون به من مواقف خطيرة أو صعبة على المستوى الإنساني. أمّا على المستوى الشخصي، فيشير إلى أنّه يتعامل مع الأوقات السيئة بأن يتخيّل للحظة أنّه صحافي في غزة، مضيفاً: "أتذكر زملاءنا الذين ما زالوا في القطاع منذ سنوات، ويواصلون عملهم حتى الآن. وأسأل نفسي: إذا كان هؤلاء قد تمكنوا من الحفاظ على ثباتهم واتزانهم العقلي رغم كل ما عاشوه، فإن ما أمرّ به أنا، على صعوبته، يظلّ أقلّ بكثير ممّا عاناه الصحافيون هناك، حتّى على المستوى المهني وحده، من دون الحديث عن أوضاعهم الإنسانية والشخصية".