الأرْز وغانرزبيري بارك... حديقة لندنية تُلملم العالم في مساحة واحدة

04 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 00:09 (توقيت القدس)
تحوّلت الحدائق إلى متنزّه عام منذ سنة 1926 وبقي الأرز في مكانه (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أشجار الأرز اللبنانية في غانرزبيري بارك، غرب لندن، تمثل قيمة تاريخية وثقافية، حيث تعكس التبادل النباتي والثقافي بين الشرق والغرب منذ القرن السابع عشر، وارتبطت بتراث بلاد الشام والهوية اللبنانية.

- كانت غانرزبيري بارك عقاراً أرستقراطياً لعائلة روتشيلد، حيث عرضت نباتات نادرة مثل أرز لبنان، مما جعلها رمزاً للذوق والاقتدار التقني في القرن التاسع عشر، وتحولت إلى متنزه عام في عام 1926.

- أصبحت الحديقة مساحة تجريبية لنباتات غير مألوفة، مع إضافة حديقة يابانية في القرن العشرين، مما يعكس التنوع النباتي والتجارب البستنية، وتبقى أشجار الأرز رمزاً لصلة بين الشرق والغرب.

كيف انتقلت أشجار الأرز من جبال لبنان إلى حدائق الأرستقراطية البريطانية منذ القرن السابع عشر؟ لا يتوقع الزائر الذي يعبر غانرزبيري بارك (Gunnersbury Park)، الحديقة الممتدة بين برينتفورد وإيلينغ، غربي لندن، أن يجد أشجاراً جاءت من جبال بعيدة في شرق المتوسط.

وسط العشب المبتل ومسارات المشي الصامتة بعد المطر، تتمايز أشجار الأرز بأغصانها الأفقية العريضة وجذوعها الداكنة، كأنها تحمل أثر موطنها في جبال لبنان، علماً أن حديقة أخرى تدعى وول بول في إيلينغ تضم أيضاً أشجار أرز من لبنان.

لا تحمل هذه الشجرة قيمة نباتية فحسب، بل ارتبطت عبر التاريخ بتراث بلاد الشام والهوية اللبنانية، وظهرت في نصوص قديمة وأساطير، قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى رمز يتوسّط علم لبنان. ووجودها هنا في حديقة بريطانية يفتح باباً على قصة ممتدّة بين الشرق والغرب، بين تجارة النباتات في القرن السابع عشر وتقاليد الحدائق الإنكليزية، وبين عائلة روتشيلد اليهودية الأوروبية التي امتلكت هذا المكان لفترة طويلة.

من يتجوّل في غانرزبيري بارك اليوم قد يمرّ بمحاذاة هذه الأشجار التي تبدو جزءاً طبيعياً من المشهد البريطاني. غير أن اللوحات المعدنية الصغيرة المثبّتة عند جذوعها تُفصح عن خريطة نباتية تمتد أبعد من حدود المدينة: أرز من لبنان وجنكو من الصين وسيكويا عملاقة من كاليفورنيا، وأنواع أخرى جاءت من شرق آسيا والمتوسط. تجتمع هذه الأشجار في مساحة واحدة لا تبعد سوى خطوات عن متحف غانرزبيري الذي يحتل مبنى تاريخياً كان في القرن التاسع عشر جزءاً من عقار أرستقراطي مغلق.

الصورة
غانرزبيري
ارتبطت أشجار الأرز عبر التاريخ بتراث بلاد الشام والهوية اللبنانية (العربي الجديد)

هذا التجاور بين نباتات بعيدة المنشأ ومتحف محلّي ومشاهد يومية من زوّار يحملون القهوة وأطفال يركضون في ملعب الكرة، يكشف طبقة خفيّة من المكان: حديقة بريطانية معاصرة مبنيّة فوق قرنين من التبادل النباتي والاقتصادي والثقافي. فالأرز والجنكو والسيكويا لم تصل إلى هنا مصادفةً، بل عبر مسار يبدأ من الشرق أو من غرب الولايات المتحدة، ويمرّ عبر البعثات والعلم والتجارة وذائقة الطبقات الثرية، قبل أن تنتهي هذه النباتات في متنزّه عام يستقبل زوّاراً يجهل معظمهم الحكاية الكاملة.

عند المشي بمحاذاة الأشجار في الجزء الغربي من غانرزبيري، يصعب اليوم تخيّل أنّ هذه المساحة كانت يوماً عقاراً خاصاً مغلقاً لا يدخله إلا المدعوون. فالمسارات التي يسلكها العداؤون صباحاً، كانت في القرن التاسع عشر تمرّ بين دفيئات زجاجية ومسطّحات مزروعة بعناية، تحت إدارة عائلة روتشيلد التي امتلكت المكان لسنوات طويلة، وجعلت من حدائقه واجهة اجتماعية وثقافية.

في تلك الحقبة، كانت الحدائق بالنسبة إلى النخب أكثر من مساحات للظلّ والنزهة؛ إذ مثّلت موقعاً لعرض نباتات آتية من بعيد، يدخل معظمها إلى بريطانيا عبر بعثات علمية وتجارة بذور واتصالات مع مشاتل خارجية. وسط هذا المزاج الفيكتوري المغرم بالنباتات غير الأوروبية، وصل أرز لبنان إلى غانرزبيري ليس باعتباره زينةً فحسب، بل دليلاً على اتساع العالم الذي يمكن أن يحتضنه العقار.

الصورة
غانرزبيري
مثّلت الحدائق موقعاً لعرض نباتات آتية من بعيد يدخل معظمها إلى بريطانيا عبر بعثات علمية (العربي الجديد)

اليوم، تحوّلت تلك الحدائق إلى متنزّه عام منذ سنة 1926، وبقي الأرز في مكانه، لا تميّزه عن غيره سوى لافتة معدنية صغيرة عند الجذع كُتب عليها أرز لبنان، لكنّ وجوده يروي لزوّار الحديقة قصة طبقة أرستقراطية مرّت من هنا وفضول نباتي جعل شجرة من جبال لبنان تقف في صمت تحت سماء لندن.

فكرة وجود أرز لبنان هنا اليوم، في متنزّه عام يقع غرب لندن، تبدأ من قصة أبعد من حدود الحديقة؛ فقبل أن يتحوّل الأرز إلى مشهد مألوف في البستنة البريطانية، كانت بذوره تُنقل مع الرحلات والتجار من شرق المتوسط.

من بين أوائل الذين حملوا هذه البذور كان المستشرق الإنكليزي إدوارد بوكوك، الذي جمعها خلال إقامته في بلاد الشام بين عامي 1638 و1639، ثم زرع أولى الشتلات في إنكلترا عام 1646. ومع مرور العقود، خرج الأرز من خانة النبات المستورد إلى عنصر تُحبّذه الطبقات الأرستقراطية، فبدأ يظهر في حدائق القصور الإنكليزية والفرنسية، وفي العقارات التي تملكها عائلات مثل روتشيلد.

بهذا المعنى، أصبحت شجرة تنمو طبيعياً في جبال لبنان والساحل السوري وجنوب تركيا جزءاً من مشهد نباتي عالمي يُعرض في حدائق مُصمَّمة بعناية لتدل على الذوق والمعرفة والاتصال بين الشرق والغرب، إذ تمرّ اليوم ضمن مشهد يومي لا يكشف للوهلة الأولى تاريخ انتقالها بين القارات.

الصورة
غانرزبيري
تبدو الأرزة اليوم طبيعية في مكان لم يكن لها يوماً (العربي الجديد)

كانت غانرزبيري قبل تحويلها إلى حديقة عامة عام 1926 أقرب إلى مسرح يجمع بين العمارة والبستنة والفكرة الأرستقراطية عن الترف. فعند الاقتراب من الطرف الجنوبي للحديقة، يلمح الزائر مبنىً صغيراً بلونٍ طينيّ أشبه بواجهة قصرٍ مصغّر. هذا المبنى هو الحمّام القديم  (Bath House)، الذي شُيّد في النصف الأول من القرن التاسع عشر في زمن الملكية الأرستقراطية للعقار وصُمم على هيئة غروتو بزخارف من الأصداف والزجاج والأحجار، قبل أن يُضاف إليه لاحقاً ممرّ خارجي رطب مع نوافذ تطلّ على الحديقة.

خلال تلك الفترة، خاصة بين ثلاثينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، تحوّل العقار إلى مساحة تجريبية لنباتات غير مألوفة في بريطانيا. ظهرت الدفيئات الزراعية وتوسّعت المسارات وجُرّبت زراعة فواكه استوائية وصنوبريات شرقية في إطار ما كان يُعرف آنذاك بـ"موضة النباتات الغريبة" التي سادت العصر الفيكتوري.

في هذا السياق، استقرّت أشجار أرز لبنان المزروعة منذ القرن التاسع عشر ضمن مشهد نباتي مقصود. كانت عنصراً يدل على الذوق والاقتدار التقني. اليوم، تعيش آثار تلك المرحلة في التفاصيل: أرز شامخ ومبانٍ صغيرة ومسارات تخفي وتكشف الأشجار تدريجياً، كأن الحديقة ما زالت تشرح لزائرها كيف كانت تُلملم العالم في مساحة واحدة.

وبينما يتقدّم الزائر شمالاً داخل الحديقة، يتبدّل المشهد من مبانٍ صغيرة ومسارات ضيّقة إلى فضاء أوسع، يوحي بتاريخ نباتي مُركّب، يأخذنا إلى حقبة تجارب البستنة التي شهدتها أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر.

فمع مطلع القرن العشرين، برزت داخل الحديقة ما تشبه حديقة يابانية صُمّمت بين عامي 1900 و1901، في وقتٍ سبق الطفرة اليابانية التي دخلت الحدائق البريطانية بعد معرض 1910. وفي عام 1907، وثّقت مجلة الجمعية البستانية الملكية تجارب للبستاني جيمس هدسون على نباتات مائية هجينة داخل الدفيئات الزجاجية.

في خلفية هذا المشهد، بقيت أشجار أرز لبنان المزروعة منذ عقود ثابتة من دون استعراض تندمج إلى جانب الصنوبريات الآسيوية داخل مشروع أرستقراطي أراد "استعارة العالم"، وإعادة ترتيبه داخل حديقة واحدة. اليوم، تذوب هذه الطبقات التاريخية خلف الاستخدام اليومي للمتنزه. تبدو الأرزة اليوم طبيعية في مكان لم يكن لها يوماً، وتبقى لافتتها المعدنية الصغيرة وحدها شاهدة على طريقٍ بدأ من جبالٍ بعيدة قبل أربعة قرون.

المساهمون