5 محافظين لبنك الجزائر المركزي خلال 10 أعوام

19 يناير 2026   |  آخر تحديث: 12:45 (توقيت القدس)
مبنى بنك الجزائر، 5 يناير 2026 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد بنك الجزائر تغييرات متكررة في منصب المحافظ، حيث تم تعيين خمسة محافظين خلال عشر سنوات، مما يثير تساؤلات حول استقرار المؤسسة. آخر تغيير كان إنهاء مهام صلاح الدين طالب بعد تعميم مثير للجدل.

- تعكس هذه التغييرات التحديات الاقتصادية والنقدية في الجزائر، حيث تتبنى البلاد استراتيجية وطنية للرقمنة لتحسين النظام المالي، مما يجعل دور البنك المركزي محورياً.

- يتم تعيين محافظ بنك الجزائر من قبل رئيس الجمهورية لعهدة خمس سنوات، ويمكن إنهاء مهامه في حالتي العجز أو الخطأ الفادح، مما يعكس الطبيعة السياسية للتعيين.

ازداد تواتر الإقالات والتعيينات في منصب محافظ بنك الجزائر المركزي خلال السنوات العشر الأخيرة، ما أثار تساؤلات واسعة حول حالة عدم الاستقرار داخل هذه المؤسسة السيادية، التي تُعد خط الدفاع الأول عن السياسة النقدية واستقرار الاقتصاد الوطني، إذ تداول على هذا المنصب خمسة محافظين في ظرف زمني لا يتجاوز عقداً واحداً. وكان آخر هذه الإقالات إنهاء مهام محافظ البنك المركزي، صلاح الدين طالب، في 4 يناير/كانون الثاني 2025، بعد ثلاث سنوات ونصف السنة قضاها على رأس هذه المؤسسة المالية الأهم في البلاد، حيث عُيّن في مايو/أيار 2022 محافظاً لبنك الجزائر.

وسبق لطالب أن شغل منصب رئيس مجلس النقد والقرض، وهي سلطة نقدية تابعة للبنك المركزي تتمتع بصلاحيات واسعة لتنظيم القطاع المالي والمصرفي في الجزائر. وجاءت إقالته بعد أسبوعين فقط من تعميم أصدره بصفته محافظاً للبنك المركزي في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، منع بموجبه إيداع الأموال نقداً (كاش) في الحسابات البنكية التجارية. وأثار هذا الإجراء جدلاً واسعاً في الجزائر، باعتباره شكّل تهديداً مباشراً للسيولة المالية في بلد ينتشر فيه استخدام النقد بشكل واسع جداً، سواء في عمليات الإيداع والادخار أو في البيع والشراء.

وفي اليوم نفسه الذي أُعلن فيه إنهاء مهام المحافظ طالب، أي في 4 يناير/كانون الثاني، أصدر بنك الجزائر تعميماً جديداً ألغى بموجبه إجراءات 22 ديسمبر/كانون الأول المتعلقة بالإيداع النقدي. وجاء في التعميم أنه "طبقاً للأحكام التشريعية والتنظيمية السارية المفعول، تُراعى تدابير اليقظة المتعلقة بالزبائن باستخدام النهج القائم على المخاطر، كما كانت عليه قبل إصدار المذكرة رقم 2 المؤرخة في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025". وأضافت الوثيقة أن "تموين الحسابات التجارية يمكن أن يتم من خلال وسائل الدفع الكتابية أو عن طريق الدفع نقداً على أساس حجم الأعمال اليومي والأسبوعي"، مشيرة إلى أن العمليات يجب أن تكون متوافقة مع الملف الشخصي للزبون ومتّسقة مع المعلومات المتوفرة لدى البنوك.

لكصاصي الاستثناء

قبل صلاح الدين طالب، شغل رستم فاضلي منصب محافظ بنك الجزائر المركزي، إذ عُيّن في سبتمبر/أيلول 2020، غير أن إقالته جاءت سريعة في مايو/أيار 2022، أي بعد 21 شهراً فقط من توليه المنصب. أما الفترة الممتدة من إبريل/نيسان 2019 إلى سبتمبر/أيلول 2020، فقد شهدت إشراف رئيس الوزراء الأسبق أيمن بن عبد الرحمن على منصب محافظ بنك الجزائر، قبل أن يغادره عقب تعيينه وزيراً للمالية في حكومة عبد العزيز جراد.

وخلال الفترة من مايو/أيار 2016 إلى إبريل/نيسان 2019، تولى محمد لوكال قيادة البنك المركزي، لتنتهي مهمته بعد تعيينه وزيراً للمالية في حكومة تصريف الأعمال برئاسة نور الدين بدوي، المسجون حالياً على خلفية قضايا فساد، عقب سقوط حكم الرئيس الأسبق الراحل عبد العزيز بوتفليقة. ومنذ مطلع الألفية الجديدة، شكّل محمد لكصاصي الاستثناء الأبرز في هذا المنصب، إذ شغل مهام محافظ بنك الجزائر لمدة 15 سنة متواصلة، من عام 2001 وحتى مايو/أيار 2016، وهي الفترة التي انتهت على وقع الصدمة النفطية التي أدت إلى تراجع حاد في إيرادات البلاد من النقد الأجنبي وانخفاض قيمة الدينار.

في هذا السياق، يرى الخبير والمستشار المالي والمصرفي، مصطفى زروالي، أن التغييرات المتتالية على مستوى محافظي بنك الجزائر خلال السنوات العشر الأخيرة، والتي يفسرها كثير من المراقبين بأنها حالة عدم استقرار، لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الاقتصادي والنقدي الوطني والدولي. وأكد زروالي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هذه القرارات، وإن بدت للبعض متسرعة، تعكس في الواقع تعاطياً براغماتياً مع معطيات متغيرة تفرض نفسها بقوة.

وأشار إلى أن العالم يشهد ثورة صناعية رقمية حقيقية تؤثر مباشرة على طبيعة النقد وطرق تسييره والسياسات النقدية المعتمدة، معتبراً أن تجاهل هذه التحولات لم يعد خياراً ممكناً أمام البنوك المركزية. وأضاف أن النظام النقدي العالمي يعرف في السنوات الأخيرة عودة قوية لسياسات نقدية تضخمية قائمة على طبع النقود دون حدود، إلى جانب سياسات حمائية وقومية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، ما أدى إلى تغيير عميق في القواعد التي حكمت السياسات النقدية لعقود.

ولفت زروالي إلى أن الجزائر تبنت استراتيجية وطنية للرقمنة، يُعد الشمول المالي أحد أهدافها الأساسية لحماية الاقتصاد الوطني وتحسين فعالية النظام المالي، مؤكداً أن البنك المركزي يؤدي دوراً محورياً في إنجاح هذه الاستراتيجية أو فشلها. وبخصوص استقرار السياسات النقدية، أوضح أن هذا الاستقرار كان ممكناً في السابق حين كان النظام النقدي الدولي أكثر توازناً، أما اليوم فإن ما حدث لدول كبرى مثل روسيا والصين، وما تنتهجه التكتلات الاقتصادية الكبرى، يفرض قرارات أكثر ديناميكية وتغييرات أسرع.

وفي الوقت نفسه، حذر من تحميل بنك الجزائر وحده مسؤولية بعض الإشكاليات، مؤكداً أن أطرافاً أخرى تتحمل بدورها مسؤوليات يجب عدم تجاهلها. وخلص زروالي إلى أن هذه التغييرات لا تطعن في كفاءات المسؤولين المعنيين، لكنها قد تؤثر على سير بعض المشاريع والاستراتيجيات على المدى البعيد، مشدداً على أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن ينجح بمجرد تغيير الأشخاص، بل يتطلب تغيير الذهنيات والوسائل، وإصلاحات أوسع تتماشى مع الواقع الاقتصادي والمالي القائم.

من يعين محافظ بنك الجزائر المركزي؟

تنص المادة 92 من الدستور الجزائري على أن رئيس الجمهورية يعيّن في الوظائف المدنية والعسكرية العليا في الدولة، ومن بينها محافظ بنك الجزائر. ويُفهم من هذا النص أن تعيين محافظ البنك المركزي ليس قراراً تقنياً محضاً أو مستقلاً عن السلطة التنفيذية، بل يندرج ضمن الصلاحيات الدستورية المباشرة لرئيس الجمهورية. ورغم أن الدستور الجزائري لا يتضمن عبارة "إنهاء المهام"، إلا أن العرف السائد يعتبر أن سلطة التعيين تستبطن ضمناً حق الإنهاء من الجهة نفسها.

متى يقال محافظ بنك الجزائر المركزي؟

يوضح القانون النقدي والمصرفي الجزائري، المعدل عام 2023، من خلال المادة 13، أن محافظ بنك الجزائر يُعيَّن لعهدة مدتها خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، ويساعده ثلاثة نواب يُعيَّنون بالطريقة نفسها. وبحسب القانون ذاته، يتم تعيين المحافظ في ولايته الأولى بموجب مرسوم رئاسي، بموجب المادة 92 من الدستور. ويحصر القانون المعروف باسم "23/09" حالات إنهاء مهام محافظ البنك المركزي في سببين فقط، العجز عن أداء المهام، كحالات المرض المثبت قانوناً، أو ارتكاب خطأ فادح. وتنص المادة 13 من النص التنظيمي على أنه في حال ثبوت أحد السببين، تُنهى مهام المحافظ ونوابه بنفس الشكل الذي تم به تعيينهم، أي عبر مرسوم رئاسي.