يوم ثانٍ من تعليق نشاط بورصة تونس: محاولات لاحتواء موجة البيع 

29 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 15:54 (توقيت القدس)
بورصة تونس، 13 أكتوبر 2008 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- علقت بورصة تونس التداولات لليوم الثاني بعد خسائر تجاوزت 3% في المؤشر الرئيسي، نتيجة لموجة بيع واسعة خاصة في أسهم البنوك، بسبب مخاوف من تأثير التشريعات الجديدة على ربحية القطاع المصرفي.
- يشير المحلل العربي بن بوهالي إلى أن القوانين الجديدة التي تلزم البنوك بتخصيص 8% من أرباحها لتمويل قروض دون فوائد أثرت على الثقة في القطاع المصرفي، مما أدى إلى زيادة عمليات البيع وتراجع السيولة.
- تواجه البورصة تحديات إضافية بسبب اختلالات السوق وخسائر بعض الشركات، مما يثير مخاوف من تصحيح أعمق في السوق واعتمادها الكبير على القطاع المالي.

علقت بورصة تونس، الأربعاء، التداولات لليوم الثاني على التوالي، بعد تجاوز خسائر المؤشر الرئيسي عتبة 3 في المائة خلال الدقائق الأولى من التعاملات، في خطوة استثنائية تهدف إلى كبح موجة بيع واسعة اجتاحت الأسهم، ولا سيما أسهم البنوك والمؤسسات المالية التي تقود السوق التونسية من حيث القيمة السوقية. 

ويأتي قرار إدارة البورصة بعد جلسة أمس الثلاثاء التي شهدت تفعيل آلية التعليق التلقائي إثر هبوط المؤشر بنحو 3.5%، خلال حصة يوم أمس، فيما استمرت الضغوط البيعية خلال تعاملات الأربعاء، ما دفع إدارة السوق إلى تعليق النشاط مجدداً، في مؤشر على تصاعد مخاوف المستثمرين من التداعيات المحتملة للتشريعات الجديدة على ربحية القطاع المصرفي، وانعكاس ذلك على أداء السوق المالية. 

وسجل مؤشر" توننداكس" اليوم الأربعاء، انخفاضًا بنسبة 3.16% مع افتتاح جلسة التداول، ما أدى إلى التفعيل الفوري لآلية تعليق التداول المنصوص عليها في النظام الداخلي للبورصة. وبموجب هذا الإجراء، عُلِّقَت التداولات لمدة ساعة، واستمرت خلال باقي اليوم مع فتح السوق المالية مجال التداول. 

وتكبدت أسهم البنوك وشركات التأجير المالي والتأمين، التي تمثل مجتمعة نحو 70% من القيمة السوقية لبورصة تونس، أكبر الخسائر، لتقود موجة التراجع التي امتدت إلى غالبية الأسهم المدرجة، وسط عمليات بيع مكثفة من المستثمرين الساعين إلى تقليص المخاطر وجني الأرباح بعد المكاسب الكبيرة التي حققتها السوق خلال الأشهر الماضية.

ويرى المحلل المالي العربي بن بوهالي، أن موجة الهبوط الحالية تعكس فقدان المستثمرين الثقة بقدرة القطاع المصرفي على المحافظة على مستويات ربحيته السابقة بعد دخول القوانين الجديدة حيز التنفيذ الأسبوع الماضي، التي تلزم البنوك بتخصيص 8% من أرباحها لتمويل قروض دون فوائد، وهو ما يتوقع أن يضغط على الإيرادات والأرباح المستقبلية ويؤثر بتوزيعات الأرباح وقيمة الأسهم. 

ويضيف في تصريح لـ"العربي الجديد" أن المستثمرين يقارنون دائماً بين العائد المتوقع من الاستثمار في الأسهم والعائد الخالي من المخاطر الذي توفره سندات الخزانة، وعندما يصبح العائد المتوقع في البورصة أقل جاذبية، تتزايد عمليات البيع، وهو ما يفسر حدة التراجعات التي شهدها القطاع المصرفي خلال اليومين الماضيين". 

ولا يقتصر الأمر، وفق المصدر ذاته على أثر التشريعات الجديدة، بل يرتبط أيضاً بالوضع الهيكلي للنظام المصرفي، الذي أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على تمويل الدولة بدل تمويل الاقتصاد المنتج، حيث زادت البنوك من إقراض الحكومة والمؤسسات العمومية، مقابل تراجع تمويل القطاع الخاص، ما أدى إلى تراجع السيولة الموجهة للاستثمار والإنتاج. 

ويشير بن بوهالي إلى أن البنك المركزي كان قد فرض منذ العام الماضي قيوداً على توزيع أرباح البنوك، ودعاها إلى تعزيز احتياطاتها لمواجهة ارتفاع القروض المتعثرة التي بلغت نحو 18 مليار دينار (6.2 مليارات دولار)، وهو ما حدّ من جاذبية الأسهم المصرفية بالنسبة إلى المستثمرين. 

ويضاف إلى ذلك وجود اختلالات داخل السوق نفسها، إذ تسجل تسع شركات مدرجة خسائر متراكمة ورؤوس أموال سلبية، من بينها "تونس الجوية" و"سيباط" و"ألكيميا" و"سانيماد" و"سوموسار" و"سوتيماي"، ما يعكس هشاشة جزء من النسيج المدرج ويزيد من الضغوط على المؤشر العام. 

وكانت بورصة تونس قد سجلت منذ بداية العام الحالي أرباحاً كبيرة زادت بنسبة 60% من مردودية الأسهم، ما دفع العديد من المستثمرين إلى استغلال التراجعات الأخيرة لجني الأرباح، إلا أن سرعة الهبوط خلال جلستين متتاليتين أثارت مخاوف من دخول السوق في مرحلة تصحيح أعمق، خصوصاً في ظل اعتمادها الكبير على أداء القطاع المالي. 

ويؤكد اقتصاديون أن ما تشهده البورصة يتجاوز كونه تصحيحاً فنياً للأسعار، ليعكس قلقاً متزايداً بشأن أوضاع المالية العمومية وتزايد اعتماد الدولة على الاقتراض من البنوك المحلية، وهو ما يقلص قدرة هذه الأخيرة على تمويل المؤسسات الخاصة والاستثمار المنتج، ويضعها أمام معادلة صعبة بين تمويل احتياجات الخزينة والمحافظة على مؤشرات الملاءة والربحية. 

ويحذر خبراء من أن استمرار الضغوط على أسهم البنوك قد يؤدي إلى إطالة أمد التقلبات في السوق، نظراً إلى الوزن الكبير الذي يمثله القطاع المالي داخل البورصة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى ردود فعل السلطات المالية والبنك المركزي والإجراءات التي يمكن اتخاذها لاستعادة ثقة المستثمرين واحتواء موجة البيع التي تُعَدّ من الأعنف التي تشهدها السوق منذ سنوات.