استمع إلى الملخص
- ارتفاع البطالة وتبدل المهن: ارتفعت البطالة إلى 77% مع اندثار مهن تقليدية وظهور مهن اضطرارية. قصص الأفراد تعكس التحولات القسرية في المهن لتأمين لقمة العيش.
- التحديات المستقبلية والآمال: التغيّرات الهيكلية في سوق العمل تتطلب فتح المعابر وإدخال مواد الإعمار لخفض البطالة وإعادة الحياة للمهن التقليدية، مما يحسن ظروف الحياة.
لم تكن الحرب على قطاع غزة مجرد عدوان عسكري خلّف آلاف الضحايا ودماراً واسعاً في البنية التحتية، بل شكّلت زلزالاً اقتصادياً واجتماعياً أعاد تشكيل سوق العمل بصورة قسرية، ودفع آلاف العاملين والموظفين إلى التخلي عن مهنهم الأصلية والبحث عن أي وسيلة للنجاة وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. ففي مشهد غير مسبوق، تحوّل أكاديميون ومعلمون وموظفون إداريون وعمال مهرة إلى باعة متجولين أو عمال إغاثة أو عاطلين عن العمل، في وقت اندثرت فيه مهن كاملة كانت تشكّل عصب الاقتصاد المحلي، مقابل بروز مهن جديدة فرضتها ظروف الحرب والحصار وانهيار الدورة الاقتصادية.
وبحسب تقرير صدر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد في الآونة الأخيرة، ارتفعت نسبة البطالة في قطاع غزة إلى نحو 77%، وهي من أعلى النسب عالمياً، في ظل توقف شبه كامل للأنشطة الاقتصادية وانهيار القطاعات الإنتاجية والخدمية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة والبناء والتعليم.
وأشارت البيانات إلى أن الحرب أدت إلى اندثار مهن تقليدية، مثل البناء والطوبار (العامل بالطوب) والنجارة والصناعات الغذائية الصغيرة، نتيجة تدمير الورش والمصانع ومنع إدخال المواد الخام، في حين تولّدت مهن اضطرارية مرتبطة بالإغاثة والبسطات والعمل المؤقت، بوصفها وسيلة وحيدة للبقاء.
تبدّل مهن قطاع غزة
في هذا الصّدد، قال شادي أحمد، وهو إداري عمل في إحدى الجامعات الفلسطينية مدة ثماني سنوات: "مع الأيام الأولى للحرب، أبلغتنا إدارة الجامعة بأنها لن تتمكّن من دفع الرواتب بسبب توقف التمويل وشلل العملية التعليمية. لم أتقاضَ أي راتب منذ بدء الحرب، ووجدت نفسي فجأة بلا دخل في وقت تتضاعف فيه احتياجات الأسرة"، وأضاف أحمد لـ"العربي الجديد": "بعد أسابيع من الانتظار دون أي أفق، أدركت أن الاعتماد على الوعود لم يعد خياراً. اضطررت إلى فتح بسطة صغيرة أمام منزلي في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أبيع فيها حاجيات بسيطة للأطفال، كالألعاب الرخيصة والحلوى، فقط لأؤمّن لقمة العيش".
وتابع: "لم أتخيّل يوماً أن أترك عملي الأكاديمي والإداري وأقف خلف بسطة، لكن الحرب لا تترك خيارات. ما أفعله اليوم ليس مهنة، بل محاولة للبقاء، وأتمنى أن أعود يوماً إلى مكتبي بدل الشارع".
أما المعلمة نجاح خضر، التي عملت مدرسة رياضيات في إحدى المدارس الخاصة بحي الشجاعية شرق غزة لأربع سنوات، فتروي قصتها قائلة: "مع بداية الحرب توقفت المدرسة عن العمل، ثم تعرضت للتدمير الكامل. نزحت مع عائلتي إلى جنوب غزة وخسرت عملي وكل ما بنيته خلال سنوات"، وقالت لـ"العربي الجديد": "بعد فترة من النزوح، التحقت بالعمل في إحدى الجمعيات الإغاثية، أساعد في توزيع المساعدات على المواطنين. لم يكن هذا خياري المهني، لكنه الخيار الوحيد المتاح في ظل غياب التعليم والعمل"، وأضافت: "أشعر بالحزن عندما أرى طلابي بلا مدارس وبلا مستقبل واضح. انتقلت من تدريس المعادلات إلى توزيع الطرود الغذائية، وهذا يلخّص حجم التحول القسري الذي فرضته الحرب على حياتنا ومهننا".
في المقابل، قال نضال أبو يوسف، أحد عمال الداخل الفلسطيني: "كنت أعمل في الطوبار وبناء المنازل داخل إسرائيل. جرى اعتقالي من مكان عملي في الأيام الأولى للحرب، وتعرضت للضرب والتحقيق، ثم احتُجزت لمدة أسبوعَين قبل ترحيلي إلى جنوب قطاع غزة"، وأضاف: "عدت بلا مال ولا عمل، وكل أدوات مهنتي باتت بلا قيمة في غزة، حيث لا بناء ولا مواد. منذ عودتي وأنا أبحث عن أي فرصة عمل، دون جدوى"، وأوضح أن مهنته اندثرت مع تدمير البيوت ومنع الإعمار، قائلاً: "اليوم أنا عامل بلا عمل، ومستقبلي غامض، مثل آلاف العمال الذين فقدوا مصدر رزقهم دفعة واحدة".
تغيّرات هيكلية قاسية في سوق العمل داخل غزة
من جانبه، يؤكد المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد، أن سوق العمل في قطاع غزة تعرض لضربة قوية وتغيّرات هيكلية عميقة فرضتها الحرب، بفعل الحصار المشدد ومنع إدخال السلع والمواد الخام، والتدمير شبه الكامل للقطاعات الاقتصادية. وقال لبد لـ"العربي الجديد" إنّ "الحرب رفعت نسبة البطالة من نحو 45% قبلها إلى قرابة 80% حالياً، الأمر الذي يعكس حجم الانهيار في فرص العمل، ويجعل التكيّف مع الواقع أمراً قسرياً طالما بقيت المعابر مغلقة".
كما شدد على أن عودة الانتعاش إلى سوق العمل مرتبطة مباشرةً بفتح المعابر وإدخال المواد الخام، وخصوصاً مواد الإعمار، مشيراً إلى أن البدء بعملية الإعمار كفيل بخفض نسبة البطالة من مستوياتها الحالية إلى أقل من 30%، وتحريك عشرات المهن المرتبطة بالبناء والصناعة والخدمات، ولفت لبد إلى أن تبدّل المهنة في غزة لم يعد خياراً، بل نتيجة حتمية لحرب أعادت تعريف العمل ومعناه.
وبين مهن اندثرت وأخرى تولّدت قسراً، يبقى مستقبل سوق العمل في غزة مرهوناً بوقف العدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين، وفتح المعابر التي تُعد شرياناً حيوياً لعودة الحياة الطبيعية إلى السكان، فضلاً عن إعادة إعمار ما دمرته الحرب الشرسة، كي يعود العمل من وسيلة للبقاء إلى رافعة للحياة الكريمة لأبناء الشعب المقهورين.