مصر: صفقة زهيدة لفندق تُنهي آمال الحكومة في بيع أراضٍ
- أثارت صفقة بيع فندق "أوبروي سهل حشيش" لمجموعة "الباتروس" جدلاً بسبب بيعها بأقل من القيمة السوقية، مما يعكس فجوة بين تقديرات الحكومة واستعداد المستثمرين للشراء، ويبرز تحديات في تحقيق الأهداف المالية.
- السياسات الحكومية المتعلقة بتسعير الأراضي وفرض رسوم إضافية أدت إلى نفور المستثمرين، مما يشير إلى ضرورة إعادة النظر في السياسات لتكون أكثر مرونة وتتناسب مع التغيرات في السوق السياحي العالمي.
تلقّى برنامج حكومة مصر لبيع أراضي الدولة للمستثمرين بالدولار ضربة قاسية، تهدد بعدم قدرة الخزانة العامة على تحقيق أية إيرادات خططت لتحصيلها من أجل تمويل الموازنة الجديدة لعام 2026-2027، قبل تمريرها من البرلمان منتصف يوليو/ تموز المقبل.
بدأت الضربات برفض عدد كبير من المستثمرين الأجانب - الذين تفاوضت معهم وزارة المالية على منحهم حق الانتفاع واستغلال مساحات ممتدة لمئات الكيلومترات بمناطق رأس بناس ورأس شقير وتوسعات مرسى علم - قبول العروض المالية المقدمة من "المالية" باعتبارها صاحبة الامتياز على تلك المناطق، في وقت تقدم عشرات المستثمرين المصريين بإعادة الأرض المخصصة لهم من قبل هيئة التنمية السياحية، احتجاجاً على ارتفاع قيمة الأراضي "بطريقة مبالغ بها"، في وقت تشهد فيه الاستثمارات السياحية بالمنطقة تراجعاً في عوائد التشغيل، مع منح الحكومة شركة "مستقبل مصر" التابعة للجيش حق فرض رسوم جزافية على أنشطة الموانئ والغوص والشواطئ، بما يهدد عوائد الشركات والفنادق القائمة بالبحر الأحمر منذ عقود.
وقالت مصادر باتحاد الغرف السياحية لـ"العربي الجديد" إن الصدمة الكبرى للمستثمرين اتضحت أمامهم خلال الأسبوع الماضي، عندما باع بنك تنمية الصادرات الحكومي أصول فندق أوبروي الذي أسسه نهاية تسعينيات القرن الماضي، بهضبة سهل حشيش جنوب الغردقة، لمجموعة "الباتروس" للمنتجعات السياحية، بمبلغ يعادل ربع تكلفة الأرض المقام عليها، وفقاً للأسعار المعلنة من هيئة التنمية السياحية التابعة لوزارة الإسكان، والمعلنة من قبل وزارة المالية باعتبارهما الجهتين المخولتين للتصرف في أراضي الدولة بتلك المناطق.
وأفاد مصدر في اتحاد الغرف السياحية بأن بيع الحكومة المصرية لفندق "أوبروي سهل حشيش" الفاخر المقام على مساحة تقارب 800 ألف متر في واحدة من أكثر المناطق السياحية أهمية، مقابل 72 مليون دولار فقط لمجموعة الباتروس التابعة لرجل الأعمال كامل أبو علي، كشف عن فجوة متنامية بين تقديرات الدولة لقيمة أراضي البحر الأحمر وبين استعداد المستثمرين المحليين والأجانب للشراء في سوق يعيد تسعير مخاطره.
جاءت الصفقة التي رفض بنك الصادرات والمشتري التعليق عليها، في اتصالات عدة أجراها "العربي الجديد"، في وقت تعوّل فيه الحكومة على تحقيق موارد دولارية مباشرة من بيع مساحات واسعة في رأس شقير ورأس بناس ضمن برنامج مالي يستهدف تقليص فجوة التمويل وخفض عجز الموازنة الأولي، سبق أن قدمته في مشروع موازنة 2026-2027 المعروض على البرلمان منذ منتصف إبريل/ نيسان الماضي.
وأشار مسؤول بغرفة الفنادق المصرية إلى أن تراجع المستثمرين بمنطقة مرسى علم وجنوب الغردقة أصبح ظاهرة متكررة منذ العام الماضي، الذي شهد تقدم أكثر من 50 مستثمراً لإعادة أراضٍ كانت مخصصة لهم من قبل هيئة التنمية السياحية بقيمة لا تقل عن مليون دولار للقطعة، لرفض سياسة التسعير التي فرضتها بحد أدنى 210 دولارات للمتر المربع للمناطق البعيدة عن الشواطئ، تصل إلى 300 دولار للمتر بالمناطق الشاطئية، مع حرمانها من استغلال المساحات المطلة مباشرة على المياه، والتي خُصصت بالكامل لمشروعات تابعة لشركة "مستقبل مصر"، تجعلها حاكمة لأنشطة اليخوت والغوص والصيد والسباحة.
وشدد المصدر على أن تغيير السياسات الحاكمة للأنشطة البحرية والسياحية في مصر أدى إلى نفور المستثمرين المحليين والدوليين من المخاطرة في الاستثمارات الجديدة، الأمر الذي دفع العديد منهم إلى شراء مشروعات قائمة ومتنوعة الأنشطة، مؤكداً أن حركة تراجع المستثمرين تبين صعوبة تنفيذ الحكومة لمخططاتها لزيادة العوائد من بيع الأراضي "الخام" الجديدة، والتي تستهدف بها خفض العجز في الديون والموازنة العامة وفق اتفاقات مسبقة مع صندوق النقد الدولي.
وتشير وثيقة الموازنة المعروضة على البرلمان إلى أن الحكومة تسعى إلى تحقيق موارد استثنائية بالدولار من بيع أراضٍ ساحلية، توجهها لسد فجوة تمويلية تتراوح بين 17 و20 مليار دولار خلال العام المالي 2026/ 2027، ضمن برنامج "إعادة توظيف الأصول العامة" كأحد محركات التمويل الرئيسية.
وتُظهر تقارير مراجعات صندوق النقد لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الموقع عام 2024 أن الحكومة تعهدت بتسريع وتيرة تخارج الدولة من الأصول غير الحيوية، وعلى رأسها الأراضي السياحية والأصول الفندقية وأصول البنية التحتية غير المستغلة، مع تنويهات لخبراء الصندوق بأن "تسعير الأصول في سوق شديد التقلب يتطلب مرونة أكبر" من الحكومة التي تتمسك بأسعار يراها مستثمرون "غير واقعية".
وفق مقابلات أجرتها "العربي الجديد" مع 6 مطورين سياحيين ومسؤولين سابقين في القطاع السياحي، أكدوا أن صفقة بيع فندق "أوبروي"، رغم ما يشوبها من غموض في التنفيذ والتمويل، فإنها تعد أكبر أصول فندقية بيعت في البحر الأحمر منذ 2015، وبيعت بسعر وصفه أحد المستثمرين بأنه "أقل من القيمة الدفترية للأرض وحدها"، التي تبلغ 800 ألف متر، حيث تصل قيمتها وفقاً للأسعار المعلنة من قبل الحكومة إلى أكثر من 200 مليون دولار، عدا منشآت الفندق المقام على الطراز المملوكي، والذي جعله مصنفاً دولياً كأحد الوجهات الفاخرة حتى عام 2019.
ويؤكد مستثمرون أن وزارة المالية، التي تستهدف تحقيق حصيلة تتجاوز 4 مليارات دولار سنوياً من بيع الأصول الساحلية في مصر لتغطية جزء من خدمة الدين الخارجي التي تتراوح ما بين 35 و40 مليار دولار سنوياً، تسير في تيار معاكس لمخططات المستثمرين الذين يفضلون حالياً شراء أصول قائمة، لتجنب ضخ استثمارات كبيرة في الأراضي الخام، حيث ترفع الدولة سعر الأرض بناءً على حاجة التمويل، وليس بناءً على قدرة المشروع على توليد عائد.
وفسّر أستاذ اقتصاد بجامعة القاهرة - رفض ذكر اسمه - أسباب الهبوط في سعر الفندق والأرض وفق تحليل السوق، إلى تراجع الطلب العالمي على السياحة الفاخرة الفردية بعد 2020، وانتقال السوق إلى النظم المتكاملة (Integrated Tourism Cities)، التي تضم أنشطة متنوعة أمام السائحين ذوي الدخل المتوسط، وارتفاع تكلفة التشغيل بنسب بين 18% و30% خلال العامين الأخيرين، مع غياب البنية التحتية الحكومية في المناطق الجديدة، بما يرفع المخاطر على المستثمرين.
ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن الصفقة "زهيدة الثمن" وضعت سقفاً جديداً لتقييم الأصول وفقاً لقرارات قسرية تفرضها الحكومة بالبحر الأحمر، في إشارة من السوق إلى أن القيمة الحقيقية للأصول وفقاً لنظرية العائد على الاستثمار أقل بكثير من توقعات الحكومة، الأمر الذي وضع تحديات ضخمة أمام خطة بيع مساحات كبيرة في رأس شقير ورأس بناس، التي تحتاج الدولة منها أكثر من 1.5 إلى مليارَي دولار خلال عامين، والذي يعد الركيزة الثالثة في برنامج الإصلاح المالي الحكومي لتمويل العجز عبر بيع أصول الدولة بالدولار.
وذكر خبير التمويل والاستثمار أن "الحكومة تبيع الأرض بمنطق ما قبل عام 2010، بينما السوق يمول نفسه بمبادئ ما بعد 2020"، حيث تبدلت طبيعة الأنشطة السياحية عالمياً مع تبدل نوعية النزلاء من الباحثين عن الترفيه والخدمات بأسعار مقبولة.
وفي تصريح سابق لرئيس مستثمري مرسى علم، كريم حويدق، أكد أن أكثر من 50 مستثمراً محلياً وعربياً تقدموا بطلبات لإعادة الأراضي إلى هيئة التنمية السياحية، التي حصلوا عليها خلال 20 عاماً، بسبب ارتفاع قيمة الأقساط الدولارية بعد تحرير سعر الصرف، وغياب الطرق والخدمات الأساسية، وتغير نموذج التمويل العالمي للمشروعات السياحية، الذي شهد ارتفاعاً بمعدلات الفائدة، وتوقف مبادرات التمويل المالي من قبل البنك المركزي للمشروعات السياحية، وصعوبة الحصول على تمويل من البنوك التي أصبحت تنظر إلى الاستثمار السياحي بأنه "نشاط عالي المخاطر"، منوهاً إلى أن هذه الخطوة تبين الاختلال بين تسعير الدولة للأصول وقدرة المستثمر على تحمل المخاطر.
وأشار مستثمرون إلى أن هيئة التنمية السياحية تفرض 5000 دولار على كل مشروع متأخر في تنفيذ خطط الإنشاءات سنوياً، مقابل تجديد الترخيص، ومع اتجاهها نحو إعادة تسعير أراضي المشروعات القديمة وفقاً للأسعار المرتفعة حالياً، يفضل المستثمرون التخلي عن خطط التنفيذ نهائياً.
ويظهر تقرير أصدرته جامعة بلفور الأميركية الأسبوع الماضي، واطلع عليه "العربي الجديد"، حول الاقتصاد الريعي في مصر، أن "الاعتماد على بيع أصول الدولة لتعويض ضعف الإنتاج لا يمكن اعتباره سياسة تنموية مستدامة، بل هو إعادة تدوير للثروة العامة عبر مصادر قصيرة الأجل"، موضحاً أن تسعير الأراضي في الدول الريعية مثل مصر عادة لا يعكس قدرة الأصول على توليد عائد نقدي، خاصة أن التسعير يُفرض في ظل غياب البنية الأساسية التي تفقد الأصول قيمتها الحقيقية، مع توسع الدولة في دور "المالك" دون تطوير خدمات البنية التحتية، بما يرفع علاوة المخاطر ويخفض الأسعار النهائية.