فوضى الأسعار في لبنان: المستهلكون يشكون الغلاء والمستوردون ينفونه
- تجاوز التضخم بالدولار 56% خلال عامين، وزيادة أسعار البنزين والضرائب تثقل كاهل الفقراء، مما يؤدي لتدهور القدرة الشرائية وانتقاد الحكومة لعدم معالجة التهرب الضريبي والفساد.
- رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية أشار إلى أن رمضان مرّ دون مشاكل كبيرة في الأسعار، مؤكدًا على أهمية المنافسة والرقابة في السوق اللبناني.
بدأ شهر رمضان هذا العام في ظل مناخ اقتصادي دقيق في لبنان، حيث تزامن الأسبوع الأول لشهر الصيام مع تداعيات قرارات ضريبية جديدة وواقع معيشي لا يزال متأثرًا بتراكمات الانهيار المالي منذ عام 2019. ومع ارتفاع الطلب الاستهلاكي بطبيعته في الأيام الأولى من الشهر، يشكو المستهلكون من الغلاء وسط تصاعد النقاشات حول حركة الأسعار، ومدى انعكاس زيادة الضريبة على البنزين ورفع ضريبة القيمة المضافة على كلفة السلع الأساسية، لا سيما الغذائية منها.
وقالت مسؤولة مراقبة وسلامة الغذاء في جمعية حماية المستهلك ندى نعمة، لـ"العربي الجديد"، إن الجمعية اتخذت عدة إجراءات قبل شهر رمضان، إذ نزلت إلى الأسواق لمتابعة مؤشر الأسعار، وتجري المراقبة بشكل أسبوعي. وأوضحت أن حركة الأسعار كانت الأعلى في الأسبوع الأول، ما دفع الجمعية إلى التواصل مع وزارة الاقتصاد، وطلب مراقبة محال السوبرماركت ووضع الأسعار قبل التخفيضات وبعدها، كي يتمكن المستهلك من معرفة الفروق أو الإشارة بوضوح إلى السلع المخفضة.
وأكدت أن المراقبة مستمرة في ظل كثرة الشكاوى ووجود ما وصفته بـ"السوق الفوضوي"، مشددة على ضرورة اعتماد سلة موحدة، وتفعيل قانون حماية المستهلك، وتطبيق قانون المنافسة لمنع الاحتكار، إلى جانب وضع خطة اقتصادية واضحة. ولفتت إلى أن الأسعار لم تكن يومًا مرتبطة بانخفاض الأسعار عالميًا أو بارتفاعها، ولا حتى بتراجع الكلفة أو ارتفاعها، رغم ثبات سعر الصرف. وأشارت إلى أن التجار، خلال فترة تثبيت الدولار، لجأوا إلى التسعير بالليرة اللبنانية ورفعوا الأسعار بالليرة لتغطية أي ارتفاع محتمل، من دون تسجيل انخفاض فعلي في المؤشر، معتبرة أن "البوصلة بيد التجار المتحكمين بالأسعار".
وأضافت أن السلعة نفسها تُباع بالسعر نفسه في مختلف المحال، كما أن السلع المشابهة لا تشهد اختلافات تُذكر، ما يدل على تشابه في الأسعار وغياب فعلي للمنافسة. كما أشارت إلى أن الأسعار ارتفعت مع زيادة أسعار البنزين، معتبرة أن إقرار أي ضريبة إضافية، ولو بنسبة 1% إلى جانب رسم الاستهلاك، سينعكس مباشرة على الطبقة الفقيرة، ما يعني غياب العدالة في تطبيق الضرائب بحسب الدخل والأرباح. في المقابل، لفتت إلى تهرب بعض الشركات من الضرائب، فيما تُثقل الفئات الفقيرة بأعباء المعيشة والبنزين، ما لن يؤدي إلى تحسن فعلي في القدرة الشرائية التي قد لا تصل إلى 50%.
واعتبرت جمعية المستهلك أن التضخم بالدولار تجاوز 56% خلال عامين، وأن كلفة البنزين الإضافية ستثقل كاهل سائقي سيارات الأجرة بأكثر من 160 دولارًا شهريًا، ما يفتح الباب أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار والاحتكار. كما انتقدت الحكومة لعدم معالجتها ملف التهرب الضريبي والفساد، داعية إلى تصحيح المسار واعتماد سياسات أكثر إنصافًا، ومحمّلة إياها مسؤولية تعميق الفقر ودفع الشباب نحو الهجرة واليأس.
في المقابل، قدّم رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني بحصلي رواية مختلفة، وقال لـ"العربي الجديد" إنه من الصعب مقارنة رمضان هذا العام برمضان العام الماضي، إذ كانت الحرب حينها في مرحلة انتهائها، وكان السوق متقلبًا، فيما استمرت مفاعيل الحرب لاحقًا رغم انتهائها. وأشار إلى أنه، رغم مرور الحرب من دون مشاكل في الإمدادات، فإن الوضع كان مربكًا آنذاك والمعطيات مختلفة عما هي عليه اليوم. واعتبر أنه لا توجد ضغوط كبيرة على الأسعار، وأن شهر رمضان مرّ من دون مشاكل تُذكر.
وأضاف أنه جرى خلال الأيام الماضية تداول كلام عن ارتفاع "جنوني" في الأسعار، لكنه شدد على عدم وجود إثبات فعلي على أن الأسعار ارتفعت فعلًا، معتبرًا أن ما يُحكى يدخل في إطار التهويل، لا سيما بعد رفع أسعار البنزين. وقال: "ليأتِ شخص واحد ويُثبت أن سلعة كانت تُباع بسعر 10 دولارات وأصبحت بـ15 دولاراً". وأقرّ بإمكانية حصول أخطاء، لكن من دون إثبات لا يمكن الجزم بوجود ارتفاعات فعلية. ولفت إلى أن الضغط يطاول بشكل أساسي الأصناف الطازجة، مثل الخضار والفواكه واللحوم، خاصة مع تزامن عيدي الفصح ورمضان هذا العام، ما أدى إلى زيادة الطلب على هذه الأصناف.
وبالتالي قد يحصل نقص يومي في بعض المواد، ما يؤدي إلى ارتفاع في الأسعار. وأوضح أنه في الاجتماع الأخير مع وزارتي الاقتصاد والزراعة، وبحضور تجار اللحوم والخضار، جرى بحث الضغوط خلال شهر رمضان. وأكد أن القول إن الناس تستفيد من رمضان لرفع الأسعار "ليس صحيحًا"، لأن المواد المرتبطة برمضان تُباع خلال الشهر فقط، فيما بقية المواد تخضع لمنافسة كبيرة.
واعتبر أن من الصعب، بل من الخطأ، القول إن التجار يزيدون أسعارهم في ظل المنافسة الشديدة في لبنان، مشددًا على أنه في حال وجود مخالفة، يجب أن تكون هناك رقابة واضحة وإثباتات ملموسة. وبين تحذيرات جمعيات المستهلك من انفجار اجتماعي جديد، ونفي المستوردين وجود زيادات فعلية في الأسعار، يبقى السؤال مفتوحًا حول انعكاس السياسات الضريبية الجديدة على القدرة الشرائية في بلد تآكلت فيه الدخول بشكل حاد.