- رغم توفر المخزون الحالي، إلا أن ارتفاع الأسعار يؤثر سلباً على تكلفة المعيشة، حيث يواجه المواطنون صعوبة في تحمل تكاليف النقل والسلع الأساسية، وتعتمد بعض المحطات على السوق السوداء.
- أظهرت جمعية المستهلك ارتفاعاً حاداً في مؤشر الأسعار بنسبة 19.05% للنصف الأول من عام 2026، داعية إلى فرض ضوابط على الأسعار والاستفادة من التجارب الدولية لضبط السوق.
سجّلت أسعار المحروقات في لبنان ارتفاعاً جديداً أمس الجمعة بما ينعكس مباشرة زيادة في أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، ويفاقم معاناة السكان الذين يرزحون تحت وطأة تداعيات الحرب الإسرائيلية والأزمة الاقتصادية المستمرة منذ العام 2019. وسجل سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان مليونين و414 ألف ليرة (27 دولاراً)، المازوت مليونين و209 آلاف ليرة (25 دولاراً)، والغاز مليوناً و127 ألف ليرة (12.6 دولاراً).
ويقول رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات في لبنان جورج البركس لـ"العربي الجديد"، إن سبب ارتفاع أسعار المحروقات هو خارجي، وليس هناك أي سبب داخلي للزيادة، خاصة أنّ سعر صرف الدولار، وهو العامل المؤثر الوحيد في لبنان على جدول تركيب الأسعار، لا يزال ثابتاً ولم يتغيّر.
ويشير البركس إلى أن السبب مرتبط بالعمليات العسكرية التي تحصل في الخليج ومضيق هرمز وروسيا، ما يدفع أسواق النفط الدولية إلى حالة عدم استقرار، لافتاً إلى أن ما يحصل في روسيا (استهداف أوكرانيا لمرافق الإنتاج والتكرير) يجب التوقف كثيراً عنده أيضاً، لكونه يؤثر بشكل كبير على المشتقّات النفطية المُكرّرة، وهو ما ينعكس على الأسواق الدولية ويقلّل الكميات الموزّعة والمتوفّرة عالمياً، ويرفع تالياً الأسعار، من دون أن ننسى كذلك، أن شركات الشحن والتأمين ترفع أسعارها في حالة الحرب، الأمر الذي له تأثيراته أيضاً.
ويلفت البركس إلى أنّ ارتفاع أسعار المحروقات له انعكاس سلبي طبعاً على لبنان، سواء بزيادة أسعار السلع الاستهلاكية، أو كلفة انتاج الطاقة، ولا سيما المرتبطة بالمولدات الكهربائية الخاصة، والتي تزداد الحاجة إليها أولاً في ظلّ تراجع التغذية الكبير على صعيد مؤسسة كهرباء لبنان، فالتيار الكهربائي بالكاد يصل إلى ساعة يومياً في بيروت، وثانياً، ربطاً بفصل الصيف، حيث تُستهلَك الكهرباء أكثر، عدا عن تنقّل المواطنين أيضاً بسياراتهم، ما يرفع استهلاكهم للبنزين، مشيراً إلى أنّ التأثير يرتد أيضاً على مؤسسة كهرباء، التي لا يتوفر لديها سوى سيولة قليلة، لن تؤمن لها في ظل ارتفاع الأسعار سوى كميات قليلة أيضاً من المازوت.
في المقابل، يؤكد البركس أن لا أزمة محروقات في لبنان بالوقت الحاضر، حيث إن المخزون متوفّر وهناك بواخر تفرغ بضاعتها، وأخرى ستصل إلى لبنان الأسبوع المقبل، والوضع لا يزال تحت السيطرة. ويلفت البركس إلى أن معدّل استهلاك البنزين اليومي كان 8 ملايين و100 ألف ليتر عام 2025، وبحدود 10 ملايين ليتر للمازوت، أما منذ بداية عام 2026 لغاية مطلع شهر يوليو/تموز الجاري، فكانت المواد الموزّعة يومياً بالأسواق المحلية بحدود 7 ملايين و500 ألف ليتر بنزين، و9 ملايين ليتر مازوت.
ويردف "منذ بداية الأزمة، أي منذ الثلاثاء الماضي حتى 21 يوليو، وُضِع في السوق حوالى 10 ملايين و200 ألف ليتر بنزين و11 مليوناً و400 ألف ليتر مازوت يومياً، ويومي الخميس والأربعاء، وزّع نحو 13 مليون ليتر مازوت وبحدود 10 ملايين و500 ألف ليتر بنزين، ما يعني أن الشركات توزّع والمواد متوفرة، لكن في المقابل لا يمكن للشركات أن توزّع أكثر من 13 مليون ليتر مازوت مثلاً في اليوم، فأساساً هذه الكميات لا تُصرَف في اليوم الواحد.
ويشير البركس إلى أن لا مشكلة على صعيد المحطات وتوفّر المواد لديها، خاصة بالنسبة إلى المحطات المتعاقدة مع الشركات المستوردة، لكن بعض المحطات غير المتعاقدة مع الشركات، وتعمد إلى شراء المواد من السوق، تواجه مشكلة، كون الطرف الذي يبيعها إما يخزّن مواده أو يعمد إلى بيعها بالسوق السوداء، لكن غير ذلك لا مشكلة.
ويشكو المواطنون في لبنان من ارتفاع "جنوني" بالأسعار، سواء على صعيد المواد الغذائية التي تشهد زيادة تفوق قدرتهم الشرائية، أو النقل، حيث يقول عاملون بالقطاع الخاص إن البدلات التي يحصلون عليها لم تعد تغطّي تكاليف الوصول إلى مقارّ عملهم، كما يعمد الكثيرون إلى تقليص تنقّلاتهم وتفادي المسافات البعيدة في ظل ارتفاع سعر البنزين، وكذلك ترشيد استهلاكهم للمكيّف في المنزل رغم موجة الحرّ التي تضرب البلاد وذلك لتفادي أسعار "نارية" لفاتورة الموتير (المولد الخاص).
وعلى صعيد متصل، سجَّل مؤشر أسعار جمعية المستهلك للنصف الأول من عام 2026 (الفصلين الأول والثاني) ارتفاعاً حاداً بلغ 19.05%، شمل 140 سلعة وخدمة أساسية لا يستغني عنها أي منزل في لبنان، وذلك بحسب بيان صادر الجمعة عن الجمعية. وقالت الجمعية إن "ما يدعو للقلق، أن هذه النسبة تعادل ضعف مؤشر إدارة الإحصاء المركزي (الذي لامس 10% واحتسب كافة السلع)، ممّا يؤكد أن التضخم الحالي يصيب في العمق القوت اليومي والخدمات الحيوية للطبقات الفقيرة والمتوسطة (المواصلات، المحروقات، الخضار والفاكهة، اللحوم، الألبان والأجبان، والخبز). هذا يعني عملياً أن معاناة العائلات اللبنانية والمقيمة قد تضاعفت مقارنة بالمعدل العام للتضخم".
وحول أسباب الارتفاع، قالت "يرجع بالدرجة الأولى إلى القفزة في أسعار النفط والطاقة عالمياً وإقليمياً". وحذرت الجمعية من أن موجة الغلاء المقبلة ستكون أشدّ قسوة مع تجدّد طبول الحرب في المنطقة، واستنزاف المخزون السابق من السلع والتجهيزات الأساسية، مشيرة إلى أن "غياب السلطة يعزز المخاطر، إذ تكشف الأرقام أن الاستقرار الظاهري لسعر صرف الليرة لم يحمِ كلفة المعيشة؛ إذ لم ترافق الارتفاعات العالمية أي خطة حكومية أو نقدية تساعد المواطن، بل على العكس كل ما تفعله السلطة هو تحميله كل الأعباء عبر زيادة الرسوم والضرائب لتمول عجزها وتواطؤها مع المصارف وكبار المستوردين".
ورأت أن "استمرار فشل المنظومة الطائفية في بناء دولة مؤسسات تُؤمّن أدنى حقوق مواطنيها، يترك الملايين لمواجهة الفقر والأزمات وحدهم". وطالبت الجمعية وزارة الاقتصاد والتجارة، أولاً، بفرض ضوابط فورية، أي تحديد سقوف ونسب أرباح قاطعة للسلع والخدمات الأساسية لمنع جشع كبار التجار واستغلالهم للأزمات، وثانياً، الاستفادة من التجارب الدولية، لناحية الاعتماد على آليات الترقب والضبط السعري التي اعتمدتها الدول التي مرت بأزمات مماثلة، بدلاً من الوقوف المتكرر في صف كارتيلات التجارة والمصارف. وشددت على أن "البلاد بحاجة عاجلة إلى دولة تقود شعبها إلى بر الأمان، لا إلى غياهب الفقر والأزمات المفتوحة".