صعود تاريخي لأسهم سنغافورة ومخاوف من فقاعة البنوك

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 13:45 (توقيت القدس)
أمام مبنى بورصة سنغافورة في 21 يوليو 2016 (روسلان رحمن / فرانس برس)

واصلت أسهم سنغافورة تسجيل مستويات قياسية خلال 2026، متفوقة على معظم الأسواق العالمية، بدعم من نمو اقتصادي قوي وتضخم منضبط وارتفاع أرباح الشركات، فيما قادت البنوك الكبرى موجة الصعود مستفيدة من ازدهار قطاع إدارة الثروات وبقاء أسعار الفائدة العالمية مرتفعة. وارتفع مؤشر "ستريتس تايمز" القياسي بنسبة 23% منذ بداية العام، بعدما حقق مكاسب مماثلة خلال 2025، ليتجه نحو تسجيل خامس فصل متتال من الصعود، في أطول سلسلة مكاسب فصلية للسوق السنغافورية خلال عقد. وتفوقت الأسهم السنغافورية على نظيراتها العالمية خلال الشهر الماضي، مستفيدة من توزيعات الأرباح المرتفعة وقوة الميزانيات المالية للشركات، إلى جانب ظروف اقتصادية وصفها بنك "جيه بي مورغان تشيس" بأنها مثالية التوازن، إذ تجمع بين نمو قوي لا يؤدي إلى ارتفاع مفرط في التضخم، بحسب وكالة "بلومبيرغ" الأميركية.

ويدعم صادرات التكنولوجيا نمو اقتصاد سنغافورة، بينما تسهم مكاسب الإنتاجية في تخفيف الضغوط على الأسعار وتحسين أرباح الشركات، ما عزز إقبال المستثمرين الباحثين عن أسواق مستقرة في ظل التقلبات الناجمة عن الصراعات العالمية والتحركات الحادة في أسهم الذكاء الاصطناعي. وقال رئيس أسهم رابطة دول جنوب شرق آسيا لدى "بي إن بي باريبا لإدارة الأصول" في كوالالمبور، إرنست تشيو، إن سنغافورة تتحول تدريجيا من سوق دفاعية تقليدية تعتمد على توزيعات الأرباح إلى سوق تجمع بين التوزيعات والنمو. وأضاف، بحسب الوكالة، أن السوق لا تزال تحتفظ بخصائصها الدفاعية، لكن الفرص المتاحة لتحقيق مكاسب رأسمالية إلى جانب دخل توزيعات الأرباح أصبحت أكثر وضوحا.

أداء مؤشر ستريتس تايمز ونمو البنوك السنغافورية
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

البنوك تقود الصعود

قادت البنوك الثلاثة الكبرى في سنغافورة، وهي مجموعة "دي بي إس" القابضة ومؤسسة "أوفرسي - تشاينيز" المصرفية و"يونايتد أوفرسيز بنك"، الجزء الأكبر من مكاسب مؤشر "ستريتس تايمز". وسجلت أسهم البنوك الثلاثة سلسلة من المستويات القياسية خلال الأشهر الماضية، مع استفادتها من نمو قطاع إدارة الثروات في سنغافورة وجذب البلاد مزيدا من رؤوس الأموال والأثرياء الباحثين عن مركز مالي مستقر في آسيا. وتجاوزت أرباح البنوك الثلاثة عن الربع الثاني توقعات المحللين، بينما تصدر "أوفرسي - تشاينيز" أداء الشركات الثلاثين المدرجة في المؤشر، بعدما قفز سهمه بنسبة 61% منذ بداية العام. وتلقت البنوك السنغافورية دعما إضافيا من توقعات استمرار أسعار الفائدة العالمية عند مستويات مرتفعة مدة أطول، وهي بيئة تساعد عادة على زيادة هوامش أرباح المؤسسات المالية. 

وارتفع مؤشر "إم إس سي آي" العالمي للبنوك بنحو 20% منذ بداية العام، مسجلا مستوى قياسيا. لكن هيمنة البنوك المتزايدة على المؤشر السنغافوري تثير مخاوف بشأن درجة تنوعه، إذ تمثل بنوك "دي بي إس" و"أوفرسي - تشاينيز" و "يونايتد أوفرسيز" نحو 60% من إجمالي قيمته السوقية، مقابل 38% في يوليو/تموز 2020. ويجعل هذا التركز مؤشر "ستريتس تايمز" أقل تعبيرا عن بقية قطاعات الاقتصاد وأكثر عرضة للتراجع إذا تعرض القطاع المصرفي لضغوط في الأرباح أو جودة الأصول أو أسعار الفائدة.

العملة تعزز جاذبية السوق

وعزز ارتفاع الدولار السنغافوري جاذبية الأسهم أمام المستثمرين الأجانب، إذ صعدت العملة بنحو 6% أمام الدولار الأميركي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، مدعومة بتدفقات الباحثين عن أصول آمنة وسط التوترات الجيوسياسية العالمية. وتستخدم سلطة النقد في سنغافورة سعر الصرف أداة رئيسية لإدارة الاقتصاد والسيطرة على التضخم، بدلا من الاعتماد بصورة أساسية على أسعار الفائدة. ووجهت العملة المحلية نحو الارتفاع أمام سلة عملات الشركاء التجاريين، بهدف خفض تكلفة الواردات وكبح ضغوط الأسعار. ويستفيد المستثمر الأجنبي من ارتفاع أسعار الأسهم وقوة العملة في الوقت نفسه، لأن صعود الدولار السنغافوري يزيد قيمة العائد عند تحويله إلى عملات أخرى.

وترى شركة "جوبيتر لإدارة الأصول" أن توسع الاقتصاد وقوة العملة سيدعمان استمرار مكاسب الأسهم، بينما تعتقد "إيست سبرينغ للاستثمارات" أن قطاعات إدارة الثروات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستواصل جذب التدفقات الاستثمارية. وقال مدير صندوق الأسهم الآسيوية لدى "جوبيتر" في سنغافورة، سام كونراد، إن أكثر من 16% من أموال صناديق الشركة مستثمرة حاليا في سنغافورة، مقابل وزن يبلغ نحو 3% فقط في المؤشر المرجعي. ووصف كونراد سنغافورة بأنها واحدة من أكثر الأسواق المتقدمة جاذبية في العالم، رغم أنها لا تزال متجاهلة أو لا تحظى بالتقدير الكافي لدى عدد من المستثمرين الدوليين.

مكاسب إضافية متوقعة

ورفع "جيه بي مورغان"، في مذكرة نشرها الثلاثاء الماضي، توقعاته لمؤشر "ستريتس تايمز" إلى 6500 نقطة، ما يمنحه مجالا للصعود بنحو 13% مقارنة بإغلاق الجمعة عند 5743.59 نقطة. وقال محللو البنك إن مزيج النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار سيواصل دعم نمو ربحية الأسهم، إلى جانب منح الحكومة مساحة مالية أوسع لدعم النشاط الاقتصادي. ورأى البنك أن ارتفاع تقييمات السوق فوق متوسطاتها التاريخية يمكن أن يستمر، مع اقتراب تسعير الأسهم السنغافورية من مستويات الأسواق المتقدمة الأخرى، بدعم من عوائد توزيعات الأرباح المرتفعة واستقرار العملة. وتوقعت "إيست سبرينغ للاستثمارات" بدورها استمرار المكاسب بعد صعود استمر ثلاثة أعوام، لكنها رجحت أن تصبح الفرص أكثر انتقائية، بحيث تتركز في الشركات التي تتمتع بأرباح مستقرة وقدرة على تحسين العوائد وإطلاق قيمة إضافية للمساهمين.

في المقابل، حذرت مؤسسات استثمارية من أن أسعار الأسهم ارتفعت بوتيرة أسرع من نمو أرباح الشركات، ما قلص هامش الصعود وزاد خطر حدوث تصحيح في السوق. ويتداول مؤشر "ستريتس تايمز" عند أكثر من 16 ضعف الأرباح المتوقعة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، بما يتجاوز بأكثر من انحرافين معياريين متوسط تقييمه خلال الأعوام العشرة الماضية. وقالت شركة "فيديليتي إنترناشونال" إنها أصبحت أكثر حذرا وبدأت خفض انكشافها على الأسهم السنغافورية تدريجيا، بعدما بلغت التقييمات أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية، وأصبح المؤشر الأعلى تكلفة بين أسواق رابطة دول جنوب شرق آسيا. وقال مدير المحافظ لدى "فيديليتي" في سنغافورة، سوي تشوان يو، وفق "بلومبيرغ" إن المحركات الاقتصادية الأساسية لا تزال محاطة بعدم اليقين في ظل التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.

دلالات