استمع إلى الملخص
- استمر خلق الوظائف لغير السعوديين بوتيرة قوية، مما يبرز الحاجة إلى تعزيز تنافسية القوى العاملة المحلية عبر تطوير المهارات ومواءمتها مع احتياجات السوق، رغم الجهود المبذولة ضمن رؤية 2030.
- تواجه السعودية تحديات في توازن سوق العمل بسبب التحولات الاقتصادية، مما يتطلب التركيز على جودة الوظائف وتسريع الاستثمار في رأس المال البشري لضمان فرص عمل مستدامة.
سجّل معدل البطالة بين السعوديين ارتفاعًا للربع الثاني على التوالي، في تطور يُسجَّل للمرة الأولى منذ عام 2018، ما يعكس تشددًا نسبيًّا في أوضاع سوق العمل، في وقت تمضي فيه المملكة قدمًا في تنفيذ برامج التحول الاقتصادي. ووفق بيانات رسمية صدرت اليوم الاثنين، ارتفعت البطالة بين السعوديين إلى 7.5% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر/أيلول، مقارنة بـ6.8% في الربع السابق، لتبلغ أعلى مستوى لها خلال عام، رغم بقائها ضمن نطاقات منخفضة تاريخيًّا، وفق "بلومبيرغ".
بالتوازي، تراجع معدل المشاركة في سوق العمل، الذي يقيس نسبة المواطنين في سنّ العمل المنخرطين أو الباحثين عن عمل، إلى 49%، وهو أدنى مستوى منذ عام 2021. كما انخفضت نسبة المشاركة بين السعوديات، ما يشير إلى تراجع في زخم الدخول إلى سوق العمل. وأظهرت البيانات أن ارتفاع البطالة جاء متزامنًا مع انخفاض المشاركة، وهو ما يوحي بأن شريحة من القادرين على العمل لا تدخل السوق من الأساس، لأسباب قد تتراوح بين صعوبة العثور على وظائف مناسبة، أو التوقف المؤقت عن البحث، أو الالتحاق ببرامج تدريب وتأهيل.
في المقابل، واصل خلق الوظائف لغير السعوديين وتيرته القوية، ما يعكس استمرار الطلب في بعض القطاعات، ويُبرز في الوقت نفسه الحاجة إلى تعزيز تنافسية القوى العاملة المحلية عبر تطوير المهارات ومواءمتها مع احتياجات السوق. وعلى مستوى الاقتصاد ككل، ارتفع معدل البطالة الإجمالي، الذي يشمل السعوديين وغير السعوديين، ارتفاعًا طفيفًا إلى 3.4%، مقارنة بـ3.2% في الربع السابق.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه السعودية إعادة هيكلة شاملة لسوق العمل، ضمن إطار رؤية 2030، التي تستهدف رفع معدلات التوظيف بين المواطنين، خصوصًا الشباب والنساء، وتقليص الاعتماد على العمالة الوافدة في القطاعات ذات القيمة المضافة المتوسطة والعالية. وقد ساهمت السياسات التحفيزية، وبرامج التوطين، والدعم الحكومي للأجور والتدريب، في خفض معدلات البطالة خلال السنوات الماضية، إلا أن المرحلة الحالية تكشف عن حدود هذا النموذج في ظل تغير طبيعة الطلب على المهارات.
فعلى الرغم من توسّع قطاعات مثل السياحة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، لا تزال فجوة المهارات قائمة، سواء من حيث التأهيل الفني أو الخبرات العملية، ما يحد من قدرة المواطنين على شغل بعض الوظائف التي يواصل غير السعوديين الهيمنة عليها. كما أن التحول نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وكثافة رأسمالية قد يؤدي، على المدى القصير، إلى خلق وظائف أقل عددًا ولكن أعلى مهارة، ما يزيد من حساسية سوق العمل لأي تباطؤ اقتصادي.
إضافة إلى ذلك، تلعب العوامل الخارجية دورًا مؤثرًا، إذ يضغط تشدد الأوضاع المالية العالمية وارتفاع أسعار الفائدة على استثمارات القطاع الخاص، ويؤثر بقرارات التوسع والتوظيف، خصوصًا في القطاعات غير النفطية الناشئة. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على توازن دقيق بين استدامة المالية العامة، وتحفيز النمو، وضمان استقرار سوق العمل، أحد أبرز التحديات أمام صانعي السياسات في المرحلة المقبلة. ويعكس ارتفاع البطالة للمرة الثانية على التوالي اختبارًا فعليًّا لقدرة سوق العمل السعودي على استيعاب التحولات الاقتصادية المتسارعة.
وعلى الرغم من أن المستويات المسجلة لا تزال ضمن نطاقات منخفضة تاريخيًّا، فإن تزامن ارتفاع البطالة مع تراجع المشاركة يشير إلى تحديات أعمق تتجاوز الدورة الاقتصادية قصيرة الأجل، وترتبط ببنية سوق العمل نفسها. ويبدو أن نجاح برامج التوظيف في المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة أكبر على جودة الوظائف، ومدى توافقها مع تطلعات المواطنين، إضافة إلى تسريع الاستثمار في رأس المال البشري، بما يضمن أن يتحول التنويع الاقتصادي إلى فرص عمل مستدامة وقادرة على امتصاص الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.