استمع إلى الملخص
- البطالة تحولت إلى أزمة هيكلية تهدد الاستقرار المعيشي، حيث فقد العديد من المواطنين وظائفهم، مما أجبرهم على الاعتماد على المساعدات الإنسانية وفقدان كرامة العمل.
- رغم التحديات، هناك محاولات للنهوض كما في قصة محمود حمدان، لكن تدهور القدرة الشرائية وغياب السيولة يجعل العودة للعمل تحدياً كبيراً.
يمرّ الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة بواحدة من أخطر مراحله التاريخية، مع تصاعد غير مسبوق في معدلات البطالة وتآكل شبه كامل لفرص العمل، في ظلّ استمرار آثار الحرب وما رافقها من دمار واسع للبنية التحتية وشلل في مختلف القطاعات الإنتاجية.
وكان بيان مشترك صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة النقد (البنك المركزي)، ضمن الحصاد الاقتصادي لعام 2025، أعلن أنّ البطالة في قطاع غزة لم تعد ظاهرة اجتماعية مؤقتة، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تهدّد الاستقرار المعيشي والاقتصادي للمجتمع بأسره. وحسب البيانات الرسمية، تجاوز معدل البطالة في قطاع غزة 77% خلال عام 2025، في مؤشر يعكس الشلل شبه الكامل في سوق العمل.
انكماش اقتصادي غير مسبوق
يعكس الارتفاع الحاد في البطالة حجم الانكماش الاقتصادي غير المسبوق، إذ تراجعت الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية إلى مستويات شبه معدومة، وتوقفت مصادر الدخل لآلاف الأسر بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية، كما أظهرت البيانات الرسمية أنّ الحرب لم تؤدِ فقط إلى فقدان الوظائف، بل إلى تدمير شبه كامل لدورة الإنتاج وسوق العمل، ما جعل فرص التعافي السريع شبه مستحيلة في الأجل القريب. وتختلف نسبة البطالة عن نسبة المشاركة في القوى العاملة، إذ تعكس البطالة نسبة الباحثين عن عمل دون أن يجدوه من إجمالي القوى العاملة، بينما تشير نسبة المشاركة إلى حصة السكان في سن العمل المنخرطين أصلاً في سوق العمل.
ويعكس انخفاض المشاركة في غزة حالة إحباط واسعة وانسحاب أعداد كبيرة من المواطنين من البحث عن عمل نتيجة تدهور الواقع الاقتصادي. وتزامن هذا الارتفاع في البطالة مع انهيار الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 84% مقارنة بعام 2023، واستمرار الانكماش خلال عام 2025 بنسبة 8.7% إضافية مقارنة بالعام السابق، كما أدى تراجع القطاعات الرئيسية، مثل الإنشاءات والصناعة والزراعة والخدمات، إلى فقدان عشرات الآلاف من الوظائف مباشرةً.
من العمل إلى المساعدات
في هذا السياق، لا تقتصر أرقام البطالة على كونها مؤشرات إحصائية، بل تتجسد في قصص إنسانية موجعة لمواطنين فقدوا أعمالهم ومصادر رزقهم، وانتقلوا من الاكتفاء الذاتي إلى الاعتماد الكامل على المساعدات. يقول الفلسطيني عبد الرحمن ريان، وهو أب لأسرة من 5 أفراد، إنّ الشهر الأول لبدء الحرب على غزة كان نقطة التحول الأقسى في حياته المهنية، بعدما وجد نفسه فجأة دون عمل عقب توقف ورشة النجارة التي كان يعمل بها منذ أكثر من تسع سنوات.
ويضيف ريان لـ"العربي الجديد" أنّ "مهنة النجارة لم تكن مجرد وظيفة، بل هي مصدر أمان واستقرار مكنني من إعالة أسرتي وتلبية احتياجاتها الأساسية دون الحاجة لأحد"، ويشير ريان إلى أنه كان يتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 1700 شيكل (الدولار= 3.2 شواكل)، وهو مبلغ كان كافياً لتغطية متطلبات الشهر كاملة.
ومع توقف العمل، انقطعت سبل الدخل كلياً وتحولت حياته إلى سلسلة من الانتظار والترقب وسط ارتفاع الأسعار وشح السيولة، ويصف ريان وضعه المادي بـ"السيّئ جداً"، مؤكداً أن أسرته تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية التي تصل على نحوٍ متقطع، ويقول بحسرة إنّ البطالة لم تحرمه من الدخل فحسب، بل من كرامة العمل والشعور بالقدرة على التخطيط للمستقبل في ظل غياب أي أفق واضح للعودة إلى مهنته.
ولم تعد البطالة أزمة مؤقتة، بل هي نتيجة تراكمية لتدمير البنية الإنتاجية وتوقف التجارة وارتفاع الأسعار، ما فاقم من الفقر وانعدام الأمن الغذائي. ومع غياب مؤشرات حقيقية على تعافٍ اقتصادي قريب، تبقى البطالة في غزة التحدي الأبرز الذي يهدد مستقبل المجتمع بأكمله. وذكر المتخصّص في تصميم المواقع الإلكترونية، سائد فرج، أنه كان يعمل عن بُعد مع جهات خارج قطاع غزة، قبل بدء الحرب، معتمداً على الإنترنت مصدراً أساسياً لرزقه.
وقال فرج لـ"العربي الجديد" إنّ "الأيام الأولى للحرب شهدت انقطاعاً كاملاً للكهرباء والإنترنت في شمال غزة، ما أدى إلى عزله عن العالم الخارجي وفقدانه التواصل مع الشركة التي كان يعمل معها"، ويشير فرج إلى أن هذا الانقطاع استمر لأكثر من ثلاثة شهور، وهو ما تسبب بخسارته لوظيفته نهائياً، رغم محاولاته المتكررة لإبلاغ جهة عمله بظروفه القهرية، ويضيف: "راتبي الشهري، الذي كان يبلغ 1300 دولار، كان يؤمن لي ولأسرتي حياة مستقرة ويعوّض محدودية فرص العمل المحلية في غزة".
ومع توقف الحرب وعودة الإنترنت تدريجياً، يواجه فرج تحديات كبيرة في محاولة العودة إلى سوق العمل، خاصة بعد انقطاع دام أكثر من عامَين عن المشاريع والتحديثات التقنية. ورغم الصعوبات، يؤكد أنه لا يزال يحاول استعادة مكانه المهني، لكنه يصطدم بواقع اقتصادي هش وصعوبات معيشية وإنترنت سيّئ وكهرباء غير مستقرة ومنافسة عالية وانعدام الاستقرار الذي يعيق أي التزام طويل الأمد.
محاولات النهوض
أما الفلسطيني محمود حمدان، من شمال غزة، فيحاول استعادة مصدر رزقه عبر إعادة تشغيل دكانه الصغير لبيع الحاجيات والبقوليات، "لكن هذه المرة من داخل خيمة نصبها في منطقة الفالوجا"، ويقول حمدان لـ"العربي الجديد" إنّ الحرب دمرت دكانه الذي ورثه عن والده، وأجبرته على التوقف عن العمل والدخول في دائرة البطالة لما يقارب عامَين، مضيفاً: "المجاعة وشح السلع خلال فترة الحرب جعلا العودة إلى العمل شبه مستحيلة، إلّا أن تحسناً نسبياً في توفر بعض البضائع أعاد له الأمل بمحاولة جديدة". ومع ذلك، يؤكّد أن الإقبال لا يزال ضعيفاً بسبب تدهور القدرة الشرائية للمواطنين وغياب السيولة النقدية، مشيراً إلى أنه يواجه تحديات إضافية تتعلق بتلف العملة المتداولة وصعوبة التعاملات المالية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التوريد. ورغم ذلك، يتمسك حمدان بمحاولته، معتبراً أن العودة إلى العمل حتى في أبسط صورها أفضل من البقاء في صفوف البطالة وانتظار المساعدات.