جيل جديد من الأثرياء يعيد رسم خريطة مليارديرات الصين... من العقارات إلى الذكاء الاصطناعي والألعاب
- الأثرياء الجدد يأتون من خلفيات متنوعة، ويتميزون بثقافة عمل تركز على المرونة والصحة النفسية، بعيداً عن نموذج العمل المكثف "996".
- يواجه المليارديرات الجدد تحديات مثل الرقابة الحكومية والتوترات الجيوسياسية، مما يدفعهم للعمل بعيداً عن الأضواء مع التركيز على التوسع العالمي.
لم يعد الأثرياء في الصين يصنعون ثرواتهم من العقارات أو الصناعات الثقيلة كما كان الحال خلال العقود الماضية، بل من الذكاء الاصطناعي والألعاب الإلكترونية والدمى والقهوة. والأهم أنهم لم يعودوا يركزون على السوق المحلية فحسب، بل باتوا يؤسسون شركات عالمية منذ سنواتها الأولى، في تحول يعكس تغيراً عميقاً في بنية ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وحسب تقرير أوردته إيكونوميست أمس الأحد، عن الأثرياء الجدد في عالم المليارديرات، يبرز هذا التحول مع الصعود اللافت لمؤسس شركة ديبسيك (DeepSeek) ليانغ وينفنغ، الذي ارتفعت ثروته إلى نحو 38 مليار دولار بعد جولة تمويل قدرت قيمة شركته بحوالى 71 مليار دولار، ليتجاوز بذلك مؤسسي شركات ذكاء اصطناعي غربية بارزة مثل سام ألتمان وداريو أمودي. ومع ذلك، لا يزال الرجل من أكثر رجال الأعمال الصينيين غموضاً، إذ يتجنب الظهور الإعلامي والمؤتمرات العامة. وبحسب مؤسسة هورون (Hurun)، تضم الصين هذا العام 30 مليارديراً عصامياً في الأربعين من العمر أو أقل، بزيادة تسعة عن العام الماضي، لتأتي في المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة من حيث عدد المليارديرات الشباب.
وتبدلت مصادر ثروات الأغنياء الجدد بصورة كبيرة. فبعدما هيمنت العقارات والصناعة ثم التجارة الإلكترونية على أجيال سابقة من رجال الأعمال، جاء الجيل الجديد من قطاعات مختلفة؛ إذ جمع أكثر من ثلثيهم ثرواتهم من السلع الاستهلاكية والإعلام، بينما أسس سبعة منهم شركات ألعاب إلكترونية وأربعة شركات للشاي أو القهوة، في حين لم يبرز في الذكاء الاصطناعي سوى ثلاثة مليارديرات، من بينهم مؤسس مونشوت إيه آي (Moonshot AI) يانغ تشيلين.
كما أن شركات هؤلاء الأثرياء الشباب تتجه إلى العالمية بوتيرة غير مسبوقة. فشركة تشانغي (Chagee) للشاي افتتحت أول فرع لها خارج الصين بعد عامين فقط من تأسيسها، وأصبحت تعمل اليوم في تسع دول ومدرجة في بورصة نيويورك. كذلك تحقق شركة دريمي (Dreame) نحو 80% من مبيعاتها خارج الصين، فيما جاءت نحو 40% من إيرادات بوب مارت (Pop Mart)، المنتجة لدمى "لابوبو"، من الأسواق الخارجية العام الماضي. ويعكس هذا التوسع تباطؤ الاستهلاك داخل الصين، ما دفع الشركات الناشئة إلى البحث عن النمو في الأسواق العالمية منذ البداية، بدلاً من الاكتفاء بالسوق المحلية كما كان يحدث في الماضي.
وفي المقابل، يتبنّى الجيل الجديد ثقافة عمل مختلفة عن نموذج "996" الشهير، الذي يقوم على العمل من التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساءً ستة أيام أسبوعياً. فعدد من رواد الأعمال الشباب يمنحون مرونة أكبر للموظفين ويركزون على الصحة النفسية، بينما يرى مؤسس دسبسيك أن قدرة الإنسان على التركيز لا تتجاوز ست إلى ثماني ساعات يومياً، وأن الإفراط في العمل يؤدي إلى مزيد من الأخطاء.
ورغم هذه النجاحات، فإن الطريق أمام المليارديرات الجدد ليس سهلاً. فقد شددت بكين خلال السنوات الأخيرة رقابتها على كبار رجال الأعمال تحت شعار "الرخاء المشترك"، ما أدى إلى تراجع ثروات شخصيات بارزة مثل جاك ما، في حين تعرض عدد من أباطرة العقارات لإجراءات قضائية، كما تواجه الشركات الصينية الطموحة تحدياً آخر يتمثل في تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة، وهو ما ظهر أخيراً بعدما منعت السلطات الصينية بيع شركة مانوس (Manus) للذكاء الاصطناعي إلى شركة ميتا الأميركية، وهي صفقة كانت كفيلة بإضافة ملياردير جديد إلى القائمة.
وبين ضغوط السياسة في الداخل والتنافس الجيوسياسي في الخارج، يواصل المليارديرات الصينيون الجدد بناء شركات عالمية، لكن بعيداً عن الأضواء، ليشكلوا جيلاً مختلفاً عن أسلافه، أكثر انفتاحاً على الأسواق الدولية وأكثر تحفظاً في الظهور الإعلامي، وربما الأكثر غموضاً في تاريخ قطاع الأعمال الصيني.