تدرس الحكومة البريطانية دفع أسعار أعلى لإسكان طالبي اللجوء في عقارات الإيجار الخاصة في جزء من خطة رئيس مجلس الوزراء الجديد آندي بورنهام لتوزيع أماكن الإقامة بشكل أكثر عدلاً في جميع أنحاء البلاد، وفق ما ذكرته "ذا غارديان" البريطانية، أمس الجمعة، إلا أنه بموازاة ذلك، وبدلاً من أن تختفي مليارات الجنيهات التي تنفقها بريطانيا على إيواء طالبي اللجوء بانتهاء الإقامة، يفتح نموذج حكومي جديد الباب أمام المجالس لتحويل جزء من الإنفاق إلى مساكن بديلة واستثمارات سكنية تبقى منفعتها للمجتمعات المحلية على المدى الطويل.
وتدعم مجالس وخبراء إسكان خيارات تشمل شراء العقارات والمنازل الخالية والوحدات الجديدة غير المباعة أو ترميمها، إذ تستخدم مؤقتاً للإيواء ثم تدخل لاحقاً ضمن المخزون السكني الأوسع. وتكتسب الفكرة وزنها من فارق الكلفة، فإيواء طالب لجوء واحد في فندق يكلف الحكومة في المتوسط 144 جنيهاً إسترلينياً في الليلة، مقابل 23.25 جنيهاً في مساكن التوزيع العادية، أي أكثر من ستة أضعاف. المقترح لا يعني منح طالبي اللجوء منازل دائمة، بل استخدامهم العقارات مؤقتاً قبل أن تعود إلى مخزون السكن العام، وهو ما يحوّل الجدل من سؤال "من يحصل على البيت؟" إلى سؤال آخر: "هل يمكن لفاتورة اللجوء أن تساعد بريطانيا نفسها في معالجة نقص المساكن؟".
ويقول مستشار السياسات في المعهد المعتمد للإسكان، جون بيري، في ردّه على أسئلة "العربي الجديد"، إن الاستثمار الحكومي في عقارات تبقى ضمن مخزون السكن العام أو الميسر يمثل خياراً منطقياً على المدى الطويل، مشيراً إلى أن الإقامة المؤقتة مكلفة ولا توفر منزلاً مستقراً يستطيع الناس بناء حياتهم فيه. ويضيف بيري، وهو أيضاً محرر مساهم في "مراجعة الإسكان في المملكة المتحدة" أنّ "الحل طويل الأمد لضغوط الإسكان هو بناء المزيد من المساكن الاجتماعية والميسرة".
خصصت الحكومة البريطانية 500 مليون جنيه لتطوير نموذج جديد لإسكان طالبي اللجوء بمشاركة السلطات المحلية، في محاولة لتقليل الاعتماد على النموذج الحالي والبحث عن خيارات تحقق قيمة أفضل مقابل المال، لكن التنفيذ لا يزال محدوداً.
في 18 يونيو/حزيران 2026، قال وزير أمن الحدود واللجوء أليكس نوريس إن اختيار مواقع المشروعات التجريبية وتوزيع التمويل ما زالا قيد المراجعة، وإن وزارة الداخلية تعمل مع وزارة الإسكان للوصول إلى نموذج جديد لإقامة طالبي اللجوء.
وتأتي المحاولة فيما تواصل الحكومة تقليص الاعتماد على الفنادق. وبنهاية مارس/آذار 2026، كان 97.519 شخصاً يتلقون دعماً ضمن نظام اللجوء، بينهم 20,885 شخصاً في الفنادق، بانخفاض 35% خلال عام و63% مقارنة بذروة سبتمبر/أيلول 2023، حين بلغ العدد 56.018 شخصاً.
وتعني هذه الأرقام أن الفندق لم يعد الخيار المهيمن كما كان خلال ذروة الأزمة، لكنه يظل أحد أكثر أشكال الإيواء كلفة، ما يبقي الضغط قائماً للعثور على بدائل أرخص وأكثر استدامة. ويقوم جوهر المقترح على تحويل جزء من الإنفاق على الإقامة المؤقتة إلى استثمار سكني طويل الأجل.
فالأموال المدفوعة للفنادق تنتهي فائدتها بانتهاء الإقامة، بينما يمكن لشراء منزل أو ترميمه أن يضيف إلى مخزون السكن الاجتماعي أو منخفض الكلفة. وهذا النموذج ليس غريباً عن سياسة الإسكان البريطانية. فقد خصصت الحكومة 950 مليون جنيه للجولة الرابعة من صندوق إسكان السلطات المحلية، التي تمتد من 2026-2027 إلى 2029-2030، لمساعدة المجالس على امتلاك مساكن مؤقتة أفضل وتقليل الاعتماد على الإقامة اليومية المكلفة والفنادق الصغيرة، إلى جانب توفير منازل لبعض الأسر ضمن برنامج إعادة توطين الأفغان. وتؤكد الحكومة أن العقارات التي تمولها الجولات المختلفة للصندوق ستبقى في المستقبل ضمن المعروض من السكن الاجتماعي، أي أن المال العام لا يمول الإقامة وحدها بل يترك وراءه أصلاً سكنياً دائماً للمجتمع.
وبذلك يطرح نموذج اللجوء سؤالاً مباشراً: إذا كانت الدولة تموّل بالفعل شراء مساكن لمعالجة الإقامة المؤقتة وإعادة التوطين، فلماذا لا يُستخدم المنطق نفسه لتقليل الاعتماد على فنادق طالبي اللجوء؟ المشكلة أن هذا النقاش يأتي وسط أزمة سكن بريطانية تتجاوز بكثير ملف اللجوء. في نهاية مارس/آذار 2025، كانت 1.34 مليون أسرة مسجلة على قوائم انتظار السكن لدى السلطات المحلية في إنكلترا، بزيادة 1% خلال عام، وهو أعلى عدد منذ عام 2014.
وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، كانت 134.210 أسر تعيش في إقامة مؤقتة، بزيادة 5% خلال عام، بينها 85.800 أسرة لديها أطفال. وبلغ عدد الأطفال الذين يعيشون في تلك المساكن 176.130 طفلاً. وتبدو الضغوط أشد في لندن، حيث بلغ معدل الأسر الموجودة في الإقامة المؤقتة 21.1 أسرة لكل ألف أسرة، مقابل 2.8 فقط لكل ألف في بقية إنكلترا. لذلك، فإن الإعلان عن استخدام المال العام لشراء مساكن لطالبي اللجوء يمكن أن يصبح قضية سياسية شديدة الحساسية، حتى إذا كان الهدف النهائي الاحتفاظ بالعقارات ضمن مخزون السكن العام.
لكن بيري يشدد لـ "العربي الجديد" على أن شراء المجالس مساكن لإيواء طالبي اللجوء بدلاً من الفنادق أو المواقع الكبيرة، مثل الثكنات العسكرية السابقة، "فكرة جيدة من حيث المبدأ"، شرط تنفيذها بحذر. ويقترح استهداف المناطق التي لا يبلغ فيها الطلب على المنازل أعلى مستوياته، وربط العقارات باحتياجات المجالس الأوسع للإقامة المؤقتة، بحيث يمكن استخدامها لاحقاً بمرونة لسكان آخرين يحتاجون إلى السكن.
كما يؤيد التركيز على المنازل الخالية والوحدات الجديدة غير المباعة والعقارات التي تحتاج إلى ترميم، وهو ما قد يضيف إلى المعروض بدلاً من أن تدخل المجالس في منافسة مباشرة مع الأسر على العدد نفسه من البيوت. وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط قابلية للالتباس في النقاش العام، إذ لا يعني المقترح منح طالبي اللجوء مساكن اجتماعية بصورة دائمة. ويشير بيري إلى أن معظم المهاجرين لا يحق لهم الوصول إلى السكن الاجتماعي فور وصولهم إلى المملكة المتحدة، باستثناءات محدودة.
وتظهر أحدث البيانات الحكومية أن 89% من أرباب الأسر الذين حصلوا على عقود سكن اجتماعي جديدة في إنكلترا خلال 2024-2025 كانوا مواطنين بريطانيين، بما يعادل نحو 233 ألف مستأجر رئيسي. وتكشف البيانات كذلك أن اللاجئين شكّلوا 2.3% من عقود السكن الاجتماعي الجديدة في ذلك العام، بينما كانت نسبة الأسر التي جاءت مباشرة من مساكن نظام دعم اللجوء إلى سكن اجتماعي جديد 0.5% فقط. ويرى بيري أن مشاركة السلطات المحلية في إسكان طالبي اللجوء ينبغي أن تتم تدريجياً، وأن تُربط باحتياجات الإقامة المؤقتة الأوسع، حتى تستفيد المجتمعات المحلية أيضاً من الاستثمار ولا يبدو البرنامج وكأنه يعالج أزمة فئة على حساب أخرى.
وتحذر جمعية الحكومات المحلية (Local Government Association) من المشكلة نفسها، مطالبة الحكومة بمراجعة برامج السكن والإقامة الممولة من المال العام لتقليل "المنافسة غير المقصودة" داخل أسواق الإسكان المحلية. وتدعو الجمعية أيضاً إلى توزيع الإقامة على نطاق جغرافي أوسع، حتى لا تتحمل مناطق محددة ضغوط برامج اللجوء وإعادة التوطين والتشرد في الوقت نفسه. وتكشف جلسة للجنة الشؤون الداخلية في مجلس العموم في يونيو/حزيران الماضي أن الحكومة نفسها باتت تتحدث عن دور أكبر للمجالس في النظام المقبل.
وقال نوريس إن وجود مزيج أوسع من الجهات التي توفر مساكن اللجوء قد يكون أكثر فائدة، وإن إبقاء جزء من المنافع المالية داخل المناطق المحلية قد يساعد أيضاً في الحصول على قبول السكان. وتدعم مؤسسة "سوها" للإسكان (Soha housing) بدورها البحث عن نموذج بديل، إذ شاركت رئيستها التنفيذية كيت ويرينغ في إعداد مقترح لتمويل إسكان طالبي اللجوء والإقامة المؤقتة بكلفة أقل وعلى نحو أكثر استدامة، من خلال توجيه جزء أكبر من الإنفاق نحو توفير مساكن طويلة الأجل.
لكن تحويل فاتورة الفنادق إلى بيوت ليس معادلة مالية بسيطة. فشراء العقارات يحمّل المجالس كلفاً تتعلق بالتمويل والتجديد والصيانة والإدارة، كما أن شراء أعداد كبيرة من المنازل من السوق المفتوحة في المناطق التي تعاني نقصاً حاداً قد يؤدي بنفسه إلى زيادة المنافسة على المساكن.
ولهذا يصبح الفارق حاسماً بين شراء منزل موجود كان يمكن أن تحصل عليه أسرة أخرى وبين إعادة منزل فارغ إلى الاستخدام أو شراء وحدة جديدة غير مباعة أو ترميم عقار غير صالح للسكن. ويوضح بيري، أن الحل النهائي يظل أكبر من ملف طالبي اللجوء نفسه، ويتمثل في زيادة بناء المساكن الاجتماعية والميسرة بما يخفض الضغط على جميع الفئات التي تحتاج إلى منزل.