استمع إلى الملخص
- أشار أستاذ المالية فراس شعبو إلى أن استمرار التوازن القلق في الاقتصاد التركي قد يؤدي إلى تجاوز الدولار حاجز 45 ليرة، خاصة مع خفض البنك المركزي للفائدة دون السيطرة على التضخم، مما يعزز الإقبال على الذهب والعملات الأجنبية.
- رغم قوة الاقتصاد التركي المدعومة باحتياطي أجنبي كبير، إلا أن تراجع الليرة أثر على معيشة الأتراك، حيث ارتفعت نفقات الأسرة، مما يجعل محاربة التضخم أولوية للحكومة.
تراجع سعر صرف الليرة التركية مع افتتاح تداولات الأسبوع، اليوم الاثنين، إلى 42.6 ليرة مقابل الدولار، مقارنة بـ 42.3 ليرة مساء الجمعة الماضي، فيما ارتفع سعر اليورو إلى 49.02 ليرة بعد أن كان 48.72 ليرة. وبذلك تُواصل الليرة خسائرها السنوية التي بلغت نحو 19%، بعدما افتتحت العام عند حدود 35.3 ليرة للدولار و36.6 ليرة لليورو.
وقال أستاذ المالية في جامعة باشاك شهير بإسطنبول، فراس شعبو، إنّ أسباب التراجع المتواصل "ليست آنية أو طارئة، بل تراكمية وممتدة، وتتصل ببنية الاقتصاد التركي ذاته، إذ تتزايد الواردات وتتسع الفجوة في الميزان التجاري، إلى جانب ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية، ما أدّى إلى خسائر، وإفلاسات، وخروج شركات من السوق"، ويؤكد أن "هذه التحولات البنيوية تُضعف الثقة بالاستثمار وتدفق الرساميل، وتنعكس أولاً على الليرة وسوق الأسهم باعتبارهما الأكثر حساسية وسرعة في الاستجابة".
وحذّر شعبو من أنّ استمرار "التوازن القلِق" في الاقتصاد التركي سيزيد الضبابية والمخاوف، مرجّحاً أن يتجاوز الدولار 45 ليرة إذا أقدم البنك المركزي على خفض الفائدة من دون تحقيق تقدّم كافٍ في السيطرة على التضخم أو تنفيذ الوعود الحكومية، ويضيف لـ"العربي الجديد" أن خفض الفائدة المرتقب قد يكون العامل المباشر الوحيد القادر على التأثير سريعاً في سعر الصرف، رغم أن التخفيضات السابقة لم تُترجم تحسناً في السوق.
وكان مجلس السياسة النقدية في البنك المركزي قد خفّض الفائدة نهاية الشهر الماضي بمقدار 100 نقطة أساس، لتنخفض فائدة إعادة الشراء لأسبوع واحد إلى 39.5%، بعد خفض سابق بحوالى 250 نقطة أساس، ما يشير إلى تمسّك السلطات بسياسة التيسير النقدي وزيادة معروض الليرة التركية في الأسواق.
ويضيف شعبو أن خطة البنك المركزي تقضي بتخفيض الفائدة إلى نحو 37% بحلول نهاية العام، الأمر الذي قد يدفع الودائع إلى الخروج من القطاع المصرفي؛ نظراً لأن العائدات باتت قريبة من مستويات التضخم. ويختم بأن فقدان الثقة بالليرة التركية داخل البلاد وخارجها، رغم الإجراءات، يعزّز الإقبال على الذهب والعملات الأجنبية، ويرفع معروض الليرة في السوق، مرجّحاً زيادة هذا المعروض مع رفع الحد الأدنى للأجور الشهر المقبل، معتبراً أن "القصة قصة عرض وطلب في نهاية المطاف".
تفسير آخر لمضاربات الليرة التركية
في المقابل، يعتبر اقتصاديون آخرون أن التراجع لا يستند إلى عوامل داخلية، بل إلى مضاربات تستهدف سعر الصرف. ويرى الخبير يوسف كاتب أوغلو أن السبب الحقيقي للهبوط هو "المضاربة ومحاولة الإيحاء بأن الاقتصاد التركي يهتز"، مؤكداً أن عوامل القوة متوافرة، وخاصة الاحتياطي الأجنبي الذي بلغ 188 مليار دولار، إضافة إلى تحقيق الصادرات مستوى قياسياً.
ارتفعت نفقات الأسرة التركية إلى نحو 100 ألف ليرة شهرياً، بينما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور 22 ألف ليرة، ما يجعل محاربة التضخم أولوية قصوى للحكومة
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أعلن الأسبوع الماضي أن قيمة صادرات بلاده بلغت في أكتوبر/تشرين الأول 270.2 مليار دولار خلال عام، وهو أعلى رقم في تاريخ تركيا. ويوضح كاتب أوغلو لـ"العربي الجديد" أن السلطات بدأت فعلياً ملاحقة المضاربين، وفرض عقوبات تنظيمية جديدة، مشيراً إلى مصادرة أصول شركتَين قابضتَين هما "هات" و"إنفستكو"، مع توقّعات بتشديد الإجراءات في المرحلة المقبلة.
تأثير مباشر على معيشة الأتراك
ورغم السجالات التفسيرية، يبقى الواقع الاقتصادي واضحاً. فالليرة تواصل الهبوط، والأسعار تواصل الارتفاع. وبحسب اتحاد العمال، ارتفعت نفقات الأسرة التركية إلى نحو 100 ألف ليرة شهرياً، بينما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور 22 ألف ليرة، ما يجعل محاربة التضخم أولوية قصوى للحكومة.
وتشير البيانات الرسمية إلى تراجع معدل التضخم السنوي إلى 32.87% من 33.3% في سبتمبر/أيلول، مسجّلاً أدنى مستوى منذ أربع سنوات، ومضيفاً انخفاضاً يتجاوز 12% خلال عام واحد، بعد أن كان عند 44.38% في نهاية 2024. ويؤكد وزير المال والخزانة، محمد شيمشك، في تصريحات سابقة أن خفض التضخم سيستمر، وإن بدا من الصعب الوصول إلى النطاق المتوقع بين 25% و29% بنهاية العام، مشيراً إلى أن التراجع سيصبح "أكثر قوة" في عام 2026.