الليرة التركية المقلقة

20 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:57 (توقيت القدس)
الليرة التركية، إسطنبول في 20 يوليو 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تحديات اقتصادية وسياسية: تراجعت الليرة التركية بشكل ملحوظ، حيث فقدت 20% من قيمتها في 2024 و17% في العام التالي، بسبب الديون الخارجية وارتفاع أسعار الطاقة وعجز الميزان التجاري رغم ارتفاع الصادرات.

- استراتيجيات نقدية وتأثيراتها: تركيا تسعى لزيادة الصادرات إلى 280 مليار دولار عبر تخفيض قيمة العملة، مما أدى إلى فقدان الاحتياطي الأجنبي وهروب الأموال الساخنة بسبب تراجع جاذبية الفائدة.

- الثقة بالليرة ومستقبل الاقتصاد: اهتزاز الثقة بالليرة يشكل خطراً على الاقتصاد التركي، حيث تتطلب التغييرات في أسعار الفائدة استراتيجيات فعالة لاستعادة الثقة وتحقيق التوازن الاقتصادي.

لم يعد التبرير الاقتصادي المتعلق بالديون الخارجية وغلاء المستوردات وفي مقدمتها النفط، ولا حتى الجيوسياسي والحرب في المنطقة، مقنعاً لمكتنز الليرة التركية الذي منيّ بخسائر هائلة من جراء خسارة 20% من قيمة مدخراته عام 2024 تبعتها خسائر بنحو 17% العام الماضي، لتستمر وتتراكم الخسائر هذا العام، بعد تراجع سعر صرف العملة التركية، من نحو 42 ليرة للدولار مطلع عام 2026 إلى أكثر من 47 ليرة اليوم.

هذا الأمر يثير جملة من الأسئلة، في مقدمتها: هل فعلاً تقود تركيا عبر المصرف المركزي تخفيضاً مداراً بوصفه استراتيجية اقتصادية هدفها زيادة الصادرات السلعية لنحو 280 مليار دولار، كما خططت الحكومة، بعد الحفاظ، عبر نقد رخيص، على تنافسية الإنتاج التركي الذي أرهقته التكاليف، من مواد أولية وأسعار طاقة وأجور عمالة؟ أم أن تركيا بصدد إعادة هندسة نظامها النقدي والمالي بشكل عام، لتتراجع عن الفائدة المرتفعة وتعيد النظر في الاحتياطي الذي فقد 50 مليار دولار وبميزانية المصرف المركزي، بعد إرهاقها بحسابات حماية الليرة وتكبيل المالية العامة بديون داخلية، استمرأتها وزارة الخزانة عبر طرح مستمر وشهري، لصكوك وأذونات؟

لأنه، بعلمية وواقعية، ليست ثمة مضاربة هجومية أو ما يبرر هذا التراجع المستمر للعملة التركية، كالتي تحدث خلال الاستحقاقات السياسية الداخلية أو التي رأيناها إبان الانقلاب الفاشل في يوليو/تموز 2016 أو بعد ذلك بقليل، خلال معاقبة الولايات المتحدة  أنقرة على سجن القس أندرو برونسون أو حتى حين استهدفت دول عدة، منها الإمارات، العملة والسياحة التركية بحملة منظمة أتت على الثقة والعملة وتدفق القطع الأجنبي. 

قصارى القول: ثمة أسباب اقتصادية ووجيهة، من الظلم إبعادها عن معادلة تراجع سعر صرف الليرة، ربما في مقدمتها الديون الخارجية التي تستنزف، من جراء فوائدها وخدماتها، معظم فائض القطع الأجنبي، ومن الأسباب أيضاً، ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وارتفاع فاتورة استيراد تركيا إلى أكثر من 70 مليار دولار سنوياً.

وقد لا يحمد تجاهل عرج الميزان التجاري، رغم ارتفاع الصادرات السلعية إلى أكثر من 273 مليار دولار العام الماضي، لأن المستوردات لم تزل تأكل قيمة الصادرات وتودي بالميزان للخسارة، أو حتى تراجع عائدات السياحة عن الحلم والمخطط، على اعتبارها، كما الصادرات، المورد الأهم والمباشرة للقطع الأجنبي وموازنة المعروض النقدي بالسوق. 

ومن الجائز إدراج هروب الأموال الساخنة من السوق التركية، سواء لأسباب داخلية تتعلق بتراجع جاذبية تجارة الفائدة بالاقتراض بعملات بفائدة منخفضة واستثمارها بالليرة ذات الفائدة التي تصل 37%، وذلك بالتزامن مع تطلع تركيا إلى سياسة التيسير النقدي وتخفيض سعر الفائدة، أو لأسباب خارجية بواقع عدم اليقين في منطقة مرشحة للسخونة والحرب والتوجه إلى دول ومناطق أكثر أمناً وأماناً ومزايا وإغراءات. 

كما، وليستوي القول، لا يمكن استبعاد القصدية وإن الجزئية عبر استراتيجية التخفيض المحكوم، فعدم تثبيت سعر الصرف عبر التدخل المباشر، وتركها تتراجع بمرونة، يضمن ضخامة الاحتياطي الأجنبي لدى المصرف المركزي، الذي جرّب خلال الأشهر الماضية التثبيت عبر بيع الدولار، ولم يستفد سوى خسائر بنحو 50 مليار دولار، بعد أن سجل أعلى احتياطي بتاريخ تركيا مطلع العام، بنحو 200 مليار دولار. 

شارع الاستقلال في إسطنبول، 31 ديسمبر 2023 (ياسين أكغول/ فرانس برس)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

خلاصة القول: الأرجح أن لجميع الأسباب، الاقتصادية والسياسية، الداخلية منها وحتى الخارجية، علاقة مهمة باستمرار تراجع سعر صرف الليرة إلى ما دون خطة برنامج الإصلاح الاقتصادي أو حتى التوقعات الخارجية، ولكن، الأرجح أيضاً أن لاهتزاز الثقة بالليرة التركية وفقدانها الأمان الادخاري، حتى من صغار المكتنزين، دور. إلى جانب سبب آخر متعلق بتغييرات أسعار الفائدة المستقبلية، والتي تدفع الرساميل، المحلية والخارجية، لتعيد النظر والتقييم لمراكزها.

وكلا السببين خطير على مصير العملة التركية، إن لم نقل على الاقتصاد التركي برمته. ببساطة لأنهما يذهبان بالثقة بهذه العملة التي لم تعرف، كما الصين عبر اليوان الرخيص، حماية المستهلك والمدخر والمضارب والمستثمر، بصادرات تأتي بالقطع الأجنبي وتخلق توازناً، بالعرض والطلب، وتمانع التعويم لأنها مصنع العالم ودكان سلعه.