استمع إلى الملخص
- التعليم في الدول العربية يعزز الانقسامات الاجتماعية، حيث ينقسم إلى تعليم عام محدود وتعليم نخبوي، مما يؤدي إلى تدني الإنتاجية وفقدان التنافسية، ويثير تساؤلات حول توافق التعليم الجامعي مع متطلبات سوق العمل.
- التحولات السريعة في سوق العمل تتطلب مرونة في المهارات، مع التركيز على "قابلية التوظيف"، مما يستدعي ثورة معرفية لتحسين فرص العمل للشباب العربي ومعالجة الاختلالات في التعليم والتدريب.
دُعِيت مؤخراً إلى مؤتمر للجامعات العربية، وكان موضوع اللقاء هو مستقبل التعليم الجامعي والجامعات في الدول العربية وآليات التكيف، وعلى مدى يومين من النقاشات بين الرؤساء والأساتذة في العديد من الجامعات العربية، كان سؤال المستقبل هو الشغل الشاغل للحاضرين. وكنت شخصياً مدعواً بصفتي أستاذاً جامعياً سابقاً يتحدث عن تجربته في الانتقال من عالم الأكاديميات والأبحاث إلى صنع السياسات العامة والتعامل مع تحدياتها بشكل واقعي وعملي.
ولفت نظري بشكل واضح أن النقاش كان يتركز حول أوضاع الجامعات وإداراتها وتحسين المناهج، وغيرها من مسائل تخص حرم الجامعة والأستاذ الجامعي الى جانب الميزانيات وصعوبات تأمين المصادر المالية لتأمين الانتقال إلى وضع جديد مختلف يتضمن نظرة مستقبلية بعيدة المدى. وما استرعى انتباهي خلال النقاشات هو ضعف التركيز على الطلاب الذين هم المُدخل والمُخرج النهائي للعملية الإنتاجية، ولعل هذا طبيعي، فالجامعة تستقبل الطلاب كونهم مُدخلاً يحتاج إلى صهر وتأهيل، وهناك أطراف أخرى تبدأ من البيت والمدرسة تقع على عاتقها مسؤولية التأهيل المسبق قبل وصول الطالب إلى بوابة الجامعة.
إن هذه السيرورة تقود الى خلل كبير في منظومة التعليم بشكل عام، وللعلم فإن ميزانيات التعليم من إجمالي الإنفاق العام تأتي في كثير من الأحيان في المرتبة الثانية بعد نفقات الدفاع والأمن في معظم الدول العربية، إلا أن كفاءة هذا الإنفاق تعتبر متدنية للأسف، وبدلاً من تكوين المهارات عبر المراحل المختلفة وصقلها والاستعداد لسوق العمل المستقبلي، تغيب التكاملية عن مراحل التعليم المختلفة، ويفتقر الأمر إلى مؤسسات قوية تراقب الأداء وتصحح المسيرة، وتصبح الجهات التي تقدم خدمة التعليم هي ذاتها التي تقوم بتقييم المخرجات، مما يعني غياب الحاكمية عن أبرز بنود النفقات، ومع غياب الرقابة على نفقات الدفاع والأمن يمكننا استخلاص صعوبات تحسين الكفاءة في ظل ضعف مبادئ الحوكمة الرشيدة.
وهذا التدني في الأداء ينعكس على نفقات الأسر على بنود التعليم، وفي دول مثل مصر والمغرب والأردن وتونس تشير البيانات إلى أن نسبة لا يستهان بها من ميزانيات الأسر تنفق على ما يعرف بالتعليم الخاص لتعويض العجز الناشئ عن سوء الأداء في مؤسسات التعليم العام، التي تفتقر كما أشرنا إلى أدوات مناسبة لتحسين الأداء باستثناء الشعارات الفارغة التي تُرفع استرضاء للرأي العام.
في الكثير من المجتمعات التي تطورت فيها طبقات وسطى متماسكة، كان التعليم دائماً بوتقة الانصهار وتحقيق درجة متقدمة من التوازن الاجتماعي، إلا أن واقع التعليم الحالي بمراحله المختلفة في الدول العربية يعزز الانقسامات العمودية في المجتمعات العربية، وأصبح التعليم إما تعليماً عاماً لما يمكن وصفه بـ"مسح الأمية" وتوفير مهارات محدودة لمهن متدنية الدخل، مما يعني استمرار الحال على ما هو عليه، أو تعليماً نخبوياً يخلق طبقة تكاد تكون منفصلة عن الواقع. وفي كثير من الأحيان فإن تلك الطبقة لها مكتسباتها التي تحافظ عليها بشكل مستدام ولا تنخرط في سوق العمل المحلي التقليدي، وهذا يفسر تدني الإنتاجية في معظم الدول العربية باستثناء دول الخليج، وهو ما ينعكس على تدني نسب النمو وفقدان التنافسية في الأسواق العالمية.
هذه الديناميكية تقود الى دائرة جهنمية تتضمن تخصيص الملايين لدعم العملية التعليمية وبرامج التدريب، ولكن النتيجة النهائية هي تعميق لاختلالات اقتصادية واجتماعية. وعودة الى حوار رؤساء الجامعات، فإن الأسئلة الجوهرية تصبح متعلقة بجدوى الدراسة الجامعية ضمن الصيغة الحالية، فماذا يعني أن يكون الطالب حاصلاً على الدرجة الجامعية الأولى، ولكنه يفتقر إلى المهارات الأساسية لدخول سوق العمل؟ وماذا يعني أن تكون نسبة الطلبة الجامعيين الأعلى من خريجي المدارس، في حين أن الاقتصاد يولد فرص عمل في قطاعات لا تحتاج ذلك النوع من التأهيل؟
إن غياب ما يعرف في أدبيات سوق العمل بالمواءمة يدلل على خلل كبير يحتاج الى علاج جذري يتجاوز الحوارات التقليدية، تلك الحوارات التي يجب أن تشمل القطاع الخاص وأصحاب الأعمال الذين يفترض أنهم سيستقبلون خريجي المعاهد والجامعات.
إن مستقبل سوق العمل يتغير بشكل متسارع، وهناك تقارير تصدرها عدة جهات تتناول هذا الموضوع والمهارات المستقبلية وتغير شعار من "وظيفة مدى الحياة" إلى "مهارات من أجل مشروع" في إشارة إلى الحاجة إلى إضفاء المرونة على المهارات المكتسبة والتغييرات، فوفقاً لأحد مسوحات المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن معدل تبديل الوظائف في الوقت الحالي يبلغ أربعة أضعاف ما كان عليه حتى منتصف السبعينيات بسبب سرعة التغييرات التي تشهدها الأسواق وتشريعات العمل المرنة التي باتت تطبقها العديد من الدول.
تبعاً لذلك بات شعار أن تكون قابلاً للتوظيف هو السائد بديلاً للكثير من التخصصات، أي أن قابلية التوظيف تعكس الجاهزية والمرونة اللازمة للالتحاق بسوق العمل. وفي الواقع تتطلب القابلية للتوظيف مهارات مختلفة لن يتحصل عليها الطالب في الجامعات التقليدية، ولا أبالغ القول إن التعليم بشكل عام أو التكوين المهني يحتاج إلى ثورة معرفية تتجاوز الحوارات التقليدية وشعارات تحسين التعليم، وتحدي إيجاد فرص عمل للشباب العربي الذي يعاني البطالة والتهميش -يقدر وجود 17 مليون باحث عن عمل في الدول العربية- فواقع الحال اليوم أن اجتياز دورة تقدمها شركة مثل غوغل أو مايكروسوفت أو غيرها أكثر أهمية في سوق العمل من الدرجة الجامعية.
إن التحولات الحاصلة والمتغيرات ليست قدراً سلبياً محتوماً في مسيرة التعليم والتدريب، لكنها تصبح كذلك إذا استمرت الاختلالات الهيكلية دون معالجة، ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدول العربية على اتخاذ قرارات سريعة، بدل أن تصبح كلفة التأخير مرتفعة جداً، وقبل أن يترجم إحباط الشباب الى ردات فعل عنيفة لا يمكن السيطرة عليها.