الاضطرابات تدفع اقتصاد العراق نحو الانكماش واتساع العجز
- تتأثر التوقعات الاقتصادية بتداعيات الأزمة في مضيق هرمز والحرب على إيران، مما يدفع الحكومة لتعزيز الإيرادات غير النفطية وتوسيع القاعدة الضريبية والجمركية.
- استمرار الانكماش قد يؤدي إلى اتساع العجز المالي وزيادة الحاجة إلى الاقتراض، بينما تعتمد العودة للنمو في 2028 على تحسين الظروف الاقتصادية وزيادة الإنتاج النفطي.
يواجه الاقتصاد العراقي تحذيرات متزايدة بشأن قدرته على الحفاظ على وتيرة النمو خلال السنوات المقبلة، بعد أن توقع البنك الدولي انكماشه بنسبة 2.2% خلال عام 2026 قبل أن يتعمق التراجع إلى 8.9% في عام 2027. وتأتي هذه التوقعات بعد نمو محدود بلغ 0.5% في عام 2024 وانكماش مقدر بـ1.5% خلال عام 2025، في مؤشرات تنذر باتساع الضغوط المالية وارتفاع العجز وتراجع النشاط الاستثماري، في ظل استمرار اعتماد الاقتصاد على الإيرادات النفطية.
تداعيات الأزمة في المنطقة
أوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن القلق المتزايد هو أمر طبيعي إزاء تداعيات الأزمة الراهنة في مضيق هرمز نتيجة الحرب على إيران، وما رافقها من اضطرابات أثرت في حركة التجارة والطاقة بالمنطقة.
وبين صالح خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، أن المؤسسات المالية الدولية تراقب عن كثب انعكاسات هذه التطورات على الاقتصاد العراقي، ولا سيما ما يتعلق بميزان المدفوعات الخارجية وحجم العجز المتوقع خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف، أن العراق يمتلك خبرة تراكمية في التعامل مع التحديات المالية والاقتصادية، وأن التقييمات المالية والاقتصادية تتركز عادة على قدرة الاقتصاد العراقي على المحافظة على الاستقرار المالي ومستويات تلبية الالتزامات الخارجية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
وأكد صالح، أن الحكومة تواصل العمل على تعزيز الإيرادات غير النفطية وتوسيع القاعدة الضريبية والجمركية وتنشيط القطاعات الاقتصادية المختلفة، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على العوائد النفطية، لافتاً إلى أن هذه الإجراءات تأتي ضمن مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية الرامية إلى تعزيز قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الصدمات الخارجية والحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.
ووفقاً لتقرير "الآفاق الاقتصادية العالمية" الصادر عن البنك الدولي في يونيو/ حزيران الجاري، فإن الاقتصاد العراقي سجل انكماشا بنسبة 1.5% خلال عام 2025، على أن يستمر التراجع خلال العامين المقبلين قبل أن يعود إلى النمو بنسبة 12.2% في عام 2028. وأشار التقرير، إلى أن العراق يعد من بين الاقتصادات الأكثر هشاشة أمام المتغيرات الإقليمية، إذ جاءت توقعاته أضعف من عدد من الاقتصادات النفطية في الشرق الأوسط. كما أظهرت البيانات الفصلية استمرار الضغوط على الاقتصاد العراقي، إذ سجل انكماشاً سنوياً بنسبة 0.6% خلال الربع الأول من عام 2025، و1.7% في الربع الثاني، و3.7% في الربع الثالث، قبل أن يتراجع الانكماش إلى 0.9% في الربع الرابع. ويتوقع التقرير أن يكون الانكماش 2.3% خلال الربع الأول من عام 2026.
ويرى متخصصون، أن تحذيرات البنك الدولي لا تعني تراجع معدلات النمو فحسب، بل تعكس مخاطر اقتصادية أوسع قد تنعكس على مستويات الدخل وفرص العمل والاستثمار، فضلاً عن زيادة الضغوط على المالية العامة وارتفاع العجز وتراجع ثقة المستثمرين، في ظل استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على الإيرادات النفطية كمصدر رئيس لتمويل الموازنة العامة.
ضغوط مالية واستثمارية متصاعدة
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي كريم الحلو، إن توقعات البنك الدولي بانكماش الاقتصاد العراقي لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد أرقام تخص النمو الاقتصادي، بل تمثل مؤشراً على ضغوط مالية واقتصادية أوسع قد تنعكس على مستوى الدخل وفرص العمل والاستثمار.
وأضاف الحلو، لـ"العربي الجديد"، أن استمرار الانكماش للعام الثالث على التوالي بعد تراجع متوقع بنسبة 1.5% في 2025 يعني أن الاقتصاد العراقي يواجه تحدياً حقيقياً في الحفاظ على مستويات الإنفاق الحالية، خاصة مع الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية.
وأوضح، أن أخطر ما في هذه التوقعات يتمثل في انعكاساتها على الموازنة العامة، إذ إن تراجع النشاط الاقتصادي والإيرادات قد يؤدي إلى اتساع العجز المالي وزيادة الحاجة إلى الاقتراض أو اللجوء إلى أدوات تمويل إضافية لتغطية النفقات الأساسية. كما أن استمرار الضغوط يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين والشركات الأجنبية، ما قد ينعكس على مستويات الاستثمار وثقة الأسواق خلال المرحلة المقبلة.
وأشار، إلى أن الاقتصاد العراقي ما زال عرضة للصدمات الخارجية، سواء المرتبطة بأسعار النفط أو بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، لافتاً إلى أن التقارير الدولية الأخيرة تعكس مخاوف متزايدة من هشاشة النمو الاقتصادي في ظل محدودية مساهمة القطاعات غير النفطية. وبيّن الحلو، أن العودة المتوقعة للنمو في عام 2028 تبقى مرهونة بتحسن الظروف الاقتصادية وزيادة الإنتاج النفطي ونجاح الحكومة في تنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية قادرة على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.