- تتفاقم الأوضاع بسبب الصراع بين روسيا وأوكرانيا، مما يعطل صادرات القمح ويرفع الأسعار، بالإضافة إلى موجات الحر والجفاف في أوروبا التي تعطل التجارة والنقل وتزيد تكاليف الشحن.
- يشهد الإنتاج الزراعي العالمي تراجعاً، حيث يتوقع انخفاض إنتاج القمح بنسبة 11% في أكبر سبع دول مصدرة بحلول موسم 2026-2027، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي ويزيد من الجوع والفقر في الدول المستوردة.
خلال الأيام الماضية، تلقت أسواق الحبوب صدمات عدة وتحذيرات متنامية مفادها أن العالم سيواجه موجة ارتفاعات جديدة في أسعار السلع الغذائية المرتبطة بالمستهلك، وأن إنتاج الغذاء يواجه ضغوطاً ومخاطر حادة تنذر بموجة جديدة من تضخم الأسعار وارتفاع تكاليف تشغيل المعدات الزراعية وإنتاج المحاصيل عالمياً بنهاية عام 2026 والعام المقبل 2027، وأن هناك زيادات جرت بالفعل لأسعار القمح والذرة والشعير والذرة والأرز وفول الصويا، وأن نحو ثلث سكان العالم غير قادرين على تحمل تكلفة النظام الغذائي الصحي، بعد ارتفاع تكلفته 25% منذ عام 2021، وهذه مؤشرات لا تبشر بالخير خاصة في الدول المستوردة للأغذية ومنها معظم الدول العربية.
يدعم تلك التوقعات المتشائمة، استمرار صدمة أسواق الطاقة العالمية بسبب الحرب على إيران، وارتفاع أسعار النفط الخام وتكلفة مشتقات الوقود، ونقص الديزل وإمدادات البذور الأساسية في بعض أنحاء العالم، وتراجع صادرات الخليج من الغاز الطبيعي والأسمدة، واضطرابات التجارة الدولية، وتسبب أزمات الوقود مع قفزة أسعار مواد أساسية مثل الكبريت، مضاعفة تكاليف الإنتاج الزراعي والنقل والشحن.
ومن بين الأسباب التي تدعو إلى التشاؤم كذلك، تصاعد التوتر بين روسيا وأوكرانيا اللتين تعدان سلة غذاء العالم، وتفاقم أحوال الطقس السيئة، واستمرار موجات الحر الشديدة ونقص الأمطار والتغيرات المناخية، وجفاف بعض الأنهار حول العالم كما هو الحال في أنهار أوروبا، وتحديداً نهري الراين في ألمانيا والدانوب في أوروبا الوسطى والشرقية.
تلقت أسواق الحبوب صدمات عدة وتحذيرات متنامية مفادها أن العالم سيواجه موجة ارتفاعات جديدة في أسعار السلع الغذائية
الصدمة الأولى لأسواق الغذاء العالمية جاءت من الأمم المتحدة وعلى لسان ماكسيمو توريرو، كبير الخبراء الاقتصاديين في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، الذي قال يوم الأربعاء، إن العالم على حافة موجة جديدة من تضخم أسعار المواد الغذائية، لأن الحربين في إيران وأوكرانيا، إلى جانب ظاهرة النينيو، هي عوامل تهيئ لارتفاع التكاليف وانخفاض غلة المحاصيل.
الصدمة الثانية لأسواق الغذاء العالمية جاءت من تنامي الصراع بين موسكو وكييف وتعطل صادرات القمح في البلدين، والضربات المتبادلة التي تستهدف السفن في البحرين الأسود وآزوف، وتعطيل روسيا حركة الملاحة في الموانئ الأوكرانية، وتكثيف هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة على السفن التي تحمل حبوباً وأغذية في ميناء أوديسا الجنوبي، الذي يتولى شحن معظم صادرات القمح الأوكرانية، مع إغلاق منفذ بحر آزوف الروسي، وتوقف أهم منطقة لتصدير القمح في العالم، ولأول مرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، لا شيء يتحرك في الممر البحري الأوكراني الذي أنشأته كييف للشحنات التجارية بعد انسحاب روسيا من اتفاق الحبوب الذي رعته تركيا والأمم المتحدة في العام 2023، وهذا كله يمثل خطراً للأسواق ويرفع الأسعار، إذ إن أوكرانيا أسهمت في المواسم الأخيرة بنحو ستة في المئة من صادرات القمح العالمية ونحو 11 % من صادرات الذرة، وتُعد مصدراً رئيسياً لصادرات البذور الزيتية والزيوت النباتية.
لأول مرة منذ أكثر من ثلاث سنوات لا شيء يتحرك في الممر البحري الأوكراني الذي أنشأته كييف للشحنات التجارية بعد انسحاب روسيا من اتفاق الحبوب
الصدمة الثالثة لأسواق الغذاء العالمية جاءت من أوروبا التي دخلت مرحلة خطرة من تداعيات موجات الحر والجفاف، وما سببته من انخفاض حاد في مناسيب الأنهار الرئيسية، ومنها الدانوب والراين، الشريان التجاري الأهم للصناعة الألمانية، وهو ما أدى إلى تعطيل حركة التجارة والنقل النهري، وخفض إنتاج الكهرباء، ورفع تكاليف الشحن، وإلحاق خسائر متزايدة بالشركات والمزارعين والمحاصيل، إضافة إلى حدوث اضطرابات واسعة لنقل المواد الكيميائية والمنتجات النفطية والسلع الصناعية، مع ارتفاع تكاليف الشحن واختناق أحد أهم الممرات التجارية في القارة.
أما الصدمة الرابعة لأسواق الغذاء العالمية فتمثلت في تراجع زراعة القمح والذرة على مستوى العالم في أول ثلاثة أشهر من الحرب على إيران، وتحول بعض المزارعين الأميركيين إلى زراعة فول الصويا لأنها تتطلب كميات أقل من الأسمدة. بل إن وزارة الزراعة الأميركية (USDA) توقعت انخفاض إنتاج القمح لدى أكبر سبع دول مصدرة في العالم بنسبة 11% خلال موسم 2026-2027، وتراجع الصادرات بنحو 7% مقارنة بالموسم السابق، في ظل موجة جفاف تضرب عدداً من أبرز مناطق الإنتاج العالمية، وأن من المتوقع انخفاض إنتاج القمح في الولايات المتحدة بنسبة 26%، مع هبوط الصادرات بنحو 15%.
ما يحدث في أسواق الأغذية العالمية من صدمات واضطرابات سيلعب دورا في رفع الأسعار ومعه مستويات الجوع والفقر، ويهدد الأمن الغذائي في الدول المستوردة للأغذية وفي مقدمتها منطقة أفريقيا والشرق الأوسط، وهذا يحتم على الحكومات سرعة التحرك لتوفير الأمن الغذائي لمواطنيها، وتكوين مخزونات من الحبوب تلبي احتياجات الأسواق المحلية.