أزمة عطش في تونس وسط شح المياه المعبأة

31 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 07:06 (توقيت القدس)
محطة تحلية مياه في تونس (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد تونس أزمة في قطاع المياه المعبأة بسبب تراجع جودة مياه الصنابير والانقطاعات المتكررة، مما أدى إلى زيادة الطلب وتخزين المستهلكين للمياه في ظل موجة حر غير مسبوقة.
- أكدت المديرة المكلفة بالاتصال بالديوان الوطني للمياه المعدنية أن الاضطرابات تعود إلى الارتفاع الاستثنائي في الطلب، مع استمرار الإنتاج ودخول وحدة تعليب جديدة لتحسين العرض.
- أوضحت منظمة "آلارت" أن نقص قوارير المياه يعود إلى انقطاعات الكهرباء وأزمة تصنيع عالمية، مما قد يؤدي إلى نقص حاد في السوق لفترة قصيرة.

تشهد أسواق تونس نذر أزمة في قطاع المياه المعبأة بعد تسجيل هبوط حاد في المعروض منها وهي المصدر الأول للشرب لدى التونسيين في السنوات الأخيرة؛ بسبب تراجع جودة مياه الصنابير والانقطاعات المتكررة للماء في العديد من مناطق البلاد. ولم يعد الحصول على قوارير مياه الشرب المعبأة أمراً سهلاً في عدد من المدن التونسية خلال الأيام الأخيرة، بعدما سجلت الأسواق نقصاً لافتاً في القوارير تزامناً مع موجة حر غير مسبوقة، وارتفاع قياسي في الطلب، لتجد آلاف الأسر نفسها أمام ما يشبه "أزمة عطش مضاعفة" تجمع بين انقطاع مياه الحنفيات وصعوبة العثور على البديل المتمثل في المياه المعبأة.
وشهدت محلات تجارية ومساحات كبرى رفوفاً شبه فارغة، فيما اضطر مستهلكون إلى التنقل بين أكثر من متجر بحثاً عن قوارير المياه، في وقت تزايد فيه الإقبال على تخزينها خشية تفاقم الأزمة، خاصة مع تواصل انقطاع المياه والكهرباء في عدد من الولايات.
ويحلّ نقص المعروض من المياه في ظل صيف استثنائي ارتفعت فيه درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ما سبَّب زيادة كبيرة في الاستهلاك، سواء للشرب أو للاستخدام المنزلي، بعد أن سبَّبت انقطاعات الكهرباء تعطيل ضخ المياه في عدة مناطق، خصوصاً في الجنوب حيث تعتمد شبكات التزود على الآبار المزودة بمضخات كهربائية.

ورغم المخاوف المتزايدة، أكدت المديرة المكلفة بالاتصال بالديوان الوطني للمياه المعدنية، مفيدة بن نصر، أن الاضطرابات المسجلة تعود أساساً إلى الارتفاع الاستثنائي في الطلب وإلى عمليات شراء مكثفة غذتها الشائعات، مشددة على أن الإنتاج متواصل ولم يتم رفع الأسعار.
وقالت بن نصر في تصريح لـ"العربي الجديد": "إن دخول وحدة تعليب جديدة حيز النشاط سيدعم العرض في السوق"، كما أوضحت أن تونس تضم 31 وحدة تعليب بطاقة إنتاجية تناهز 520 ألف قارورة في الساعة، في حين يبلغ الطلب خلال فترات الذروة نحو 10 ملايين لتر يومياً.
غير أن هذه التطمينات لم تمنع حالة القلق في الأسواق، خاصة أن أزمة المياه الجارية لا تزال متواصلة في عدد من الجهات؛ حيث سجل المرصد التونسي للمياه مئات التبليغات المتعلقة بانقطاعات التزويد واضطراباته خلال الأسابيع الأخيرة.
في المقابل، نشرت منظمة "آلارت" (جمعية اقتصادية مستقلة) على صفحتها الرسمية على فيسبوك توضيحات شرحت فيها أسباب شح قوارير المياه المعدنية في الأسواق التونسية، بسبب ما وصفته بـ "الأزمة المركبة التي تلوح في الأفق".
وقالت المنظمة إن هذا النقص الجزئي يعود في الوقت الراهن إلى الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي التي أثرت بشكل مباشر وحاسم على نسق الإنتاج داخل مصانع تعبئة المياه، مما أدى إلى تراجع فوري في الكميات الموزعة في السوق. غير أن الإشكال، بحسب المصدر ذاته، لا يقتصر على الجانب المحلي ولا يقف عند حدود الطاقة، بل يمتد ليشمل أزمة تصنيع عالمية ستظهر تداعياتها قريباً؛ حيث يواجه مصنعو مادة البلاستيك في تونس صعوبات كبيرة في التزود بالحبيبات الأساسية اللازمة لصناعة القوالب الأولية للقوارير بسبب أزمة لوجستية عالمية بحتة.
وأشارت منظمة "آلارت" إلى أن "المواد الأولية التي يتم استيرادها من الصين تشهد تعطلاً كبيراً في سلاسل التوريد. هذا التأخير ناتج بالأساس عن التوترات والمشاكل الملاحية الحاصلة عبر مضيق هرمز، مما أبطأ وصول الشحنات إلى المصانع المحلية".
وبناءً على هذه المعطيات المتشابكة، أكدت منظمة "آلارت" أن المصنعين يرجحون مواجهة الأسواق نقصاً حاداً قد يمتد لفترة تراوح بين 15 و21 يوماً ابتداءً من مطلع شهر آب/أغسطس القادم. وقالت: "سوق المياه أمام أزمة مستوردة فاقمتها هشاشة البنية التحتية المحلية، وهو ما يستوجب شفافية تامة من السلطات المعنية ومصارحة حقيقية للرأي العام، حتى يتمكن المواطن من فهم الوضع والاستعداد للتعامل مع هذه التداعيات بعيداً عن الاحتكار أو الهلع".

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت المياه المعلبة من منتج يقتصر استهلاكه على فصل الصيف إلى سلعة أساسية في ميزانية العديد من الأسر، مدفوعة بتراجع الثقة في جودة مياه الحنفية في بعض المناطق، والانقطاعات المتكررة، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن التغيرات المناخية.
وتظهر الأرقام الرسمية أن الأسرة التونسية المكونة من خمسة أفراد قد تنفق ما بين 130 و140 ديناراً شهرياً (الدولار = نحو 3 دنانير) لاقتناء المياه المعلبة خلال فصل الصيف، مع استهلاك قد يصل إلى ست قوارير يومياً، وهو ما يجعل أي اضطراب في التزويد ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر.
ويرى الخبير في التنمية حسين الرحيلي، أن ما يحدث لا يرتبط فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل يكشف هشاشة منظومة التزود بالمياه؛ حيث رفعت التغيرات المناخية الطلب على المياه بشكل غير مسبوق، في حين لا تزال شبكات الإنتاج والتوزيع تعاني التقادم، كما تؤدي انقطاعات الكهرباء إلى تعطيل الضخ، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الآبار.
وقال الرحيلي في تصريح لـ"العربي الجديد" إن "تزامن انقطاع مياه الشرب مع نقص المياه المعبأة قد يحول الأزمة من اضطراب ظرفي إلى إشكال صحي واجتماعي، خاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن والمرضى، في ظل استمرار موجة الحر".