- الرسائل المكتشفة تُظهر حرص سالينجر على كيفية تقديمه للقارئ، حيث سعى لتحقيق قراءة مجردة لروايته بعيداً عن انتماءاته الشخصية، مما سمح للنقاد بتركيز اهتمامهم على موقع الرواية ضمن تيار "الكتابة الغاضبة".
- في سورية الجديدة، ظهر نقد يركز على انتماء الكاتب قبل نصه، مما يعكس تحولاً في كيفية قراءة الأدب، حيث أصبح انتماء الكاتب شاهداً على نصه، وليس العكس.
في رسائل كُشفت مؤخراً للكاتب الأميركي ج. د. سالينجر، طلبَ من محرّر روايته "الحارس في حقل الشوفان" أن يكتفي بالتعريف به على غلاف الطبعة الأولى عام 1951، بوصفه كاتباً من نيويورك، وأن يحذف الإشارة إلى أصوله اليهودية-الأيرلندية. وكان مسوّغ سالينجر في ذلك، خشيته من أن تتحوّل هذه الأصول إلى مدخل لقراءة عمله من جانب "نقّاد الدرجة الثانية".
سالينجر، مثل أي كاتب جاد، كان يخشى نقّاد الدرجة الثانية، لأنهم كثيراً ما يعتمدون على تفسير العمل الأدبي من خارجه، هذا إن لم يستعيروا أحكامهم بعضهم من بعض، في دائرة مغلقة من التأثير، فيصبح انتماء الكاتب سبيلاً جاهزاً لقراءة نصه. وكان من السهل الافتراض أن ما يشكو منه بطل رواية سالينجر في المجتمع الأميركي، إنما يشكو منه باعتبار أن كاتب النص يهودي. وبدلاً من أن تُقرأ الرواية بوصفها قراءة في المجتمع الأميركي ما بعد الحرب، كان يمكن أن تُقرأ باعتبارها تصوّر الكاتب اليهودي عن ذلك المجتمع، وحيث الجميع زائف، باستثناء الأطفال، وخاصّة الأطفالُ الموتى.
تُظهر الرسائل المكتشفة حرص سالينجر، الروائي الذي حقّق حلم بطل روايته هولدن كولفيلد، باعتزال البشر والعيش في كوخ على طرف غابة؛ على الصورة التي يُقدَّم بها إلى القارئ. وهو حرص لا يتعلق بصورة الكاتب وحدها، إنما باستقبال العمل نفسه.
هذا عن سالينجر، الكاتب الأميركي، وقد قيّض له أن يتحكّم، إلى حد ما، بالطريقة التي سيُقدَّم بها إلى القارئ. أما بخصوص الحكاية القريبة، حكايتنا، فهي عن الكاتب السوري، الذي نتجَ عن مجتمع كان خاضعاً لعنف الدولة الشمولية، إذ كانت طائفة المرء نوعاً من الشبهة التي لا يصرّح بها أحد، على اعتبار أن الجميع سوريون، وعروبيو التوجّه، وقد دفع هذا الإلغاء القسريّ للحديث في المسألة الطائفية، لأن تشيع في غير حقولها، مثل أي قوة مقموعة، إذ لا يصرّح السوريون، غالباً، بطوائفهم، لكن لهم طرقهم في أن يعرفوها.
الكاتب السوري نتجَ عن مجتمع كان خاضعاً لعنف الدولة الشمولية
ومع زوال ضغط شمولية البعث، ظهر في سورية الجديدة، نوع جديد من النقد يستعرض انتماء الكاتب في البدء، فيقرأ النص بانتماء كاتبه أولاً، ثم بموقفه من نظام الأسد ثانياً، قبل أن يصل، إن وصل، إلى نص الكاتب. في هذا النوع من القراءة لا يعود النص الأدبي نفسه، ولا مقولاته، ولا شكله الفني وأساليبه، ولا موقعه في نوعهِ الأدبي، ولا حتّى الموقف السياسيّ الذي يتبناه، ذا مكانة. ويصبح انتماء الكاتب شاهداً على نصّه، وليس العكس.
لم يخطئ سالينجر حين جعل هويته محتجبة. فقد أتاح ذلك قراءة سلوك هولدن على نحو أكثر تجريداً، وأتاح للنقاد أن يقرأوا موقع رواية "الحارس في حقل الشوفان" ضمن تيار "الكتابة الغاضبة"، وأن ينظروا إلى سالينجر بوصفه واحداً من الكتّاب الذين يمكن تتبّع أثر جيمس جويس في أعمالهم، أي ضمن السلالة الأدبية التي ينبغي أن يُقرأ الكاتب من خلالها، لا ضمن انتمائه الديني أو أصله الاجتماعي، فالكاتب ينتمي إلى سلالة ينتقيها نصه، قبل أي انتماء آخر.