سعيد خطيبي... كل الطرق تؤدي إلى الجائزة العالمية للرواية العربية 2026
- تميزت الرواية بتفوقها على خمس روايات أخرى، حيث تقدم رحلة في تاريخ الجزائر عبر سرديتين للأب والابنة، متبنيةً شكل الرواية البوليسية لتسليط الضوء على التوترات التاريخية.
- سعيد خطيبي، كاتب وصحفي جزائري، له أعمال متميزة وحائز على جوائز عديدة، مما يعكس تنوع الرؤى الأدبية في لجنة التحكيم.
يشكّل فوز رواية الجزائري سعيد خطيبي "أُغالب مجرى النهر" (نوفل، بيروت، 2025) بالجائزة العالمية للرواية العربية (الذائعة باسم بوكر العربية)، الخميس، خاتمة جميلة لجهده الإبداعي، الذي استفاض غير مرة، فحصل على جوائز مهمة، لكنه تعثر في منافسات "بوكر" بعدما وصل إلى القائمة القصيرة سابقاً عن رواية "حطب سراييفو" في العام 2020. وفي الوقت نفسه، يقدم هذا الفوز المستحق ملمحاً مهماً في نوعية الاختيارات، التي يتوجه نحوها مزاج القراءة في المنطقة العربية، سيما حين تؤدي معطيات الواقع الراهن إلى بحث القراء في الماضي، والتأمل في أحوال الشخصيات التي عاشته، دون التخلي عن أدوات الإمتاع والتشويق.
تفوّقت "أُغالب مجرى النهر" على الروايات الأُخرى المتنافسة التي ضمتها القائمة القصيرة، وهي: "أصل الأنواع" للمصري أحمد عبد اللطيف، و"منام القيلولة" للجزائري أمين الزاوي، و"فوق رأسي سحابة" للمصرية دعاء إبراهيم، و"الرائي" للعراقي ضياء جبيلي، و"غيبة مي" للبنانية نجوى بركات. وبحسب بيان اللجنة، فإن عدد الروايات التي ترشّحت للجائزة لهذه الدورة بلغ 137 رواية نُشرت بين يوليو/ تموز 2024 ويونيو/ حزيران 2025.
رئيس لجنة التحكيم الناقد التونسي محمد القاضي وصف رواية سعيد خطيبي بأنها "رحلة آسرة عكْس مجرى التاريخ، تتسلّل بسلاسة في إرهاصات ما حدث في الجزائر قبيل العشرية السوداء". قدم فيها صاحبها "مِزَقاً من لوحة غائمة معقّدة نحتاج إلى إعادة تركيبها وترتيب شذراتها للخلوص إلى معنى يختزل اللحظة التاريخية المتفلّتة". ورأى رئيس مجلس أمناء الجائزة العالمية للرواية العربية ياسر سليمان أن الرواية تتقمص "شكلَ رواية بوليسية مخادعاً يوظفه الكاتب لسبر أغوار مسارات من التاريخ الجزائري الحديث تشمل فترة حرب الاستقلال (1956–1962) والعقود التي تلتها، وصولاً إلى بدايات ما يُعرف تقليدياً بـ"العشرية السوداء" في أوائل تسعينيات القرن الماضي... من خلال سرديتين متقاطعتين وعابرتين للأجيال، سردية الابنة وسردية الأب. وتكشف الحركة الزمنية المعقدة للرواية، ذهاباً وإياباً، عن التوترات والصراعات التي عاشها الجزائريون في تلك الفترة، وكأنها تعلن أن الأمور كلّما تغيّرت بقيت على حالها".
نصّ تجريبي يغامر بالشكل دون أن يفقد مفاتيح الحكاية
وفي العودة إلى قائمة الروايات من القائمة الطويلة إلى القصيرة وصولاً إلى فوز سعيد خطيبي، يشير هذا الاختيار إلى حدوث تحول لافتٍ نحو "رواية الذات المتأملة"، حيث يتم الاحتفاء بالتجريب على حساب الحبكة التقليدية الصارمة. هذا الانزياح يعكس رغبة لجان التحكيم في تزكية نصوص تُفكّك اليقين وتغوص في الهشاشة الإنسانية والذاكرة المتشظية المشتبكة مع التاريخ. ومع ذلك، ظل التحدي قائماً في الحفاظ على بنية تشويقية وسط التجريب؛ حيث إن الانغماس في كثافة اللغة وبطء السرد قد يهدد جاذبية الحكاية.
الروايات الناجحة في الوصول إلى القائمة القصيرة هي التي جعلت من "الأسئلة الوجودية" محركاً للفضول بدلاً من الصراع الخارجي، محولةً التيه ومحاولة النجاة إلى رحلة مشوقة بحد ذاتها، بدلاً من أن يصبح "العمق" مرادفاً للتخلي عن ابتكار عالم روائي متماسك يقبض على أنفاس القارئ.
إن التوازن المطلوب اليوم هو تقديم نص تجريبي يغامر بالشكل، من دون أن يفقد قدرته على أن يكون "حكاية" تؤنس القارئ كما ورد في مفتتح رواية سعيد خطيبي. فالجائزة في النهاية تبحث عن رواية تمثل ذروة الإبداع، وهي القمة التي تلتقي فيها لوعة السؤال بمتعة المتابعة. هذا النزوع نحو "الشخصيات الهشّة" بدلاً من الأبطال المركزيين يفرض نوعاً جديداً من التشويق، هو "تشويق الاكتشاف الداخلي". ويمكن القول إن نتيجة هذه السنة تمثل الرهان على الرواية التي استطاعت تطويع التجريب لخدمة المعنى، دون التضحية بروح السرد ومحرّكاته الأساسية.
نزوع نحو الشخصيات الهشّة بدلاً من الأبطال المركزيين
تتعدّد أصوات الشخصيات في وقائع رواية "أُغالب مجرى النهر" بين مسار يضبطه حدث رئيس هو جريمة القتل التي تعرض لها الطبيب مخلوف الذي تشارك مع زوجته عقيلة في سرقة قرنيات الموتى، وبين الأسئلة حول الفاعل واستدعاء الشخصيات، يتسع المشهد خارج الأمكنة المحددة بين مشرحة، عيادة، وغرفة تحقيق، ليشمل الواقع في مدينة بوسعادة الجزائرية، في زمن ينظر له القارئ من خلال حمولة "العشرية السوداء" وما تضمنته من مآسٍ أحاقت بالجزائريين. غير أن ما تنطق به الشخصيات في تداعياتها الداخلية، يكشف عن عمق الأسباب التي جعلت من الخراب أمراً محتملاً في مستقبل هذا الواقع.
كل الشخصيات هنا تجد مرجعيتها في وقائع الماضي، أي إنها لا تخرج من خيال الروائي فقط، بل تجد نافذة كي تقدم نفسها كممثلة عمّا واجهه البشر في حياتهم، وتبعاً لهذا فإن الجواب على السؤال عمن هو القاتل، يصبح رافعة لعرض الآثام التي تورط بها جميع الحاضرين على خشبة الحدث الجزائري، من الحرب العالميّة الثانية حتّى مطلع التسعينيّات، مروراً بحرب التحرير وما تلاها.
الروائي الفائز سعيد خطيبي من مواليد 1984، حصل على ليسانس في الأدب الفرنسي من الجامعة الجزائرية، ونال ماجستير في الدراسات الثقافية من جامعة السوربون. عمل في الصحافة منذ 2006 ويقيم في سلوفينيا. صدر له كتاب "مدار الغياب" (ترجمة لقصص جزائرية باللغة الفرنسية، 2009)، و"جنائن الشرق الملتهبة" (كتاب رحلات في دول البلقان، 2015)، وله في الرواية أيضاً: "كتاب الخطايا" (2013)، و"أربعون عاماً في انتظار إيزابيل" (2016) التي فازت بجائزة كتارا للرّواية العربية المنشورة 2017، و"حطب سراييفو" (2018) التي أُدرجت في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2020، وصدرت بالإنكليزية عن منشورات بانيبال وبالصربية عن جيوبويتيكا بوكس. كما فازت روايته "نهاية الصحراء" (2022) بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع المؤلف الشاب، عام 2023. كذلك فاز خطيبي بجائزة ابن بطوطة في أدب الرّحلة عام 2015.
اختارت الرواية الفائزة لجنة تحكيممن خمسة أعضاء، برئاسة الباحث والناقد التونسي محمد القاضي، وبعضوية كل من الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، وأيضاً الأكاديمية الكورية الجنوبية ليلى هي وون بيك، إضافة إلى الكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات.