"ذبذبات داخلية" في الدار البيضاء.. التشكيل أثراً نفسياً مفتوحاً
استمع إلى الملخص
- التجريد والتوازن الداخلي: تعرض أعمال فنانين مثل رجاء بنيعيش وآية جوهارجي توازنًا داخليًا عبر الأشكال الهندسية والفراغات، مع التركيز على الإحساس واللون، مثل الأزرق للتأمل والأحمر للتوتر.
- حوار فني جماعي: يجمع المعرض 21 فنانًا مغربيًا وأجنبيًا في حوار صامت حول القلق المعاصر، مما يتيح للمتلقي المشاركة في تجربة بصرية جماعية تحافظ على خصوصية كل رؤية.
يقدّم المعرض الجماعي "ذبذبات داخلية 21" في رواق Living 4 ART بمدينة الدار البيضاء، تجربةً فنيةً تنفتح على الداخل الإنساني باعتباره مجالاً للاهتزاز والتشكّل المستمر.
الأعمال المعروضة لا تنشغل بتقديم موضوعات محدّدة، كما لا تسعى إلى بناء سرديات واضحة، غير أنها تذهب مباشرةً إلى الأثر وتضيء ما يسبق التسمية، حيث يصير اللون والمادة والإيقاع أدوات لالتقاط حالات نفسية لحظة توترها.
تُواجه اللوحات المتلقّي باعتبارها عوالم قائمة بذاتها. كل عمل يحتفظ بإيقاعه الخاص وبزمنه الداخلي وبمنطقه الحسيّ. غير أن هذا الاستقلال لا يؤدّي إلى التفكك، لأن التجارب جميعها تتحرّك داخل حقل شعوري واحد؛ حقل يشتغل على فكرة الداخل باعتباره مادةً قابلةً للتشكيل. تتجاور الكثافة والفراغ والحركة والسكون، من دون أن تتحول هذه العناصر إلى ثنائياتٍ مغلقة، غير أنها تصير حالات متحولة داخل التجربة البصرية.
يبرز السطح التشكيلي في عدد من الأعمال كمساحة حاملة للذاكرة. آثار الفرشاة، تراكم الطبقات وتفاوت الملمس، كلها تشي بحضور الزمن داخل اللوحة. السطح لا يبدو نظيفاً أو مصقولاً، وإنما مشغولاً ومأهولاً بأثر الفعل. هذا الاشتغال يمنح اللوحات عمقاً وجودياً، حيث تتحول المادة إلى شاهد على مرور الانفعال، وعلى محاولة القبض على ما قد ينفلت.
اللون والمادة والإيقاع أدوات لالتقاط حالات نفسية لحظة توترها
في عدد من الأعمال التجريدية، ومنها أعمال رجاء بنيعيش وآية جوهارجي وبشرى زروق، يظهر الاشتغال على الشكل بحثاً عن توازن داخلي. الدوائر والخطوط والمساحات المفتوحة، تتحرك ضمن إيقاع هادئ، يترك مجالاً للتنفس البصري. الفراغ هنا عنصر مشحون، يفرض حضوره ويقترح زمناً للتأمل. هذا النوع من التجريد يراهن على الإحساس أكثر من الرؤية، وعلى التلقي البطيء أكثر من الإدراك السريع.
تحضر إشارات الجسد في بعض الأعمال من دون أن تتحول إلى تمثيلٍ مباشر. الجسد يتبدى كحركة، إيماءة، بمثابة طاقة تشق طريقها داخل الفضاء التشكيلي كما في أعمال الفنان عبد الصمد أبو نصر. ولا تشكل الملامح مركز العمل. يبقى الإحساس بالحضور، حضور الجسد بوصفه حالةً شعوريةً تتقاطع مع اللون والخط والفراغ.
يلعب اللون دوراً أساسياً في بناء هذه العوالم. الأزرق يتخذ شكل عمق بصري، أو حركة دائرية توحي بالغوص والتأمل. الأحمر يظهر كنبض متوتر، أو كأثر ذاكرةٍ لم تستقر. الدرجات الترابية تستحضر الزمن البطيء، والارتباط بالأرض والرسوخ. اللون يعمل كذبذبة نفسيةٍ، يصيب المتلقي قبل أن يدخل في دائرة التفسير.
ضمن هذا السياق، تبرز تجربة بشرى زروق من خلال سلسلتها "انسجام"، التي تتألف من ثماني لوحات تجريدية تنشغل ببناء علاقة دقيقة بين الحركة والسكون ونبض اللون والإحساس الروحي. هذه الأعمال تفتح فضاءً للتأمل، وتمنح المتلقي لحظة هدوء داخل المعرض. إلى جانبها، تشارك أعمال فاطمة الزهراء حدودي، وعبد الله مصلي، وآية جوهري وأمين بنيس ورجاء بنيعيش، وأمل مبسيط، وكريمة إيد المودن وسناء بنكيران، وآخرين في صياغة نسيجٍ بصري جماعيٍّ يحافظ على خصوصية كل رؤية.
"ذبذبات داخلية 21" يَختتم، هذا المساء، لقاءَ 21 فناناً مغربياً وأجنبياً، بمرجعيات مختلفة شكّلت على امتداد شهر كاملٍ حواراً صامتاً يقوم على وعي مشتركٍ بالقلق المعاصر، وعلى رغبة في تحويل الداخل الإنساني إلى أثرٍ بصري قابل للتلقي. ويملك المتلقي أن يدخل هذا الحوار باعتباره طرفاً فاعلاً، يُعيد ترتيب إحساسه، ويغادر المعرض وهو يحمل ذبذبته الخاصّة.